المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٢٩ - مساوئ من كره الوطن
فارحل فإنّ بلاد اللّه ما خلقت # إلاّ ليسلك منها السّهل و الجبل
اللّه قد عوّد الحسنى فما برحت # عندي له نعمّ تشري و تتّصل
إن ضاق بي بلد هيّا له عوضا # و إن نأى منزل بي كان لي بدل
و إن تغيّر لي عن ودّه رجل # أصفى المودّة لي من بعده رجل
لم يقطع اللّه لي من صاحب أملا # إلاّ تجدّد لي من بعده أمل
لا تمتهن أبدا خدّيك من طمع # فما لوجهك نور حين يبتذل
و ابغ المكاسب من أزكى مطالبها # من حيث تحمل حتى ينفذ الأجل
و لآخر:
إذا ما أطال المرء مكثا ببلدة # تعقّبه من بعد حدّته نكس
و لو أن هذي الشّمس دام طلوعها # أو البدر لم يحبب و لا حبّت الشمس
فجل طالبا للرّزق في الأرض و اغترب # ففي كل أرض للفتى الأكل و اللّبس
و لآخر:
و إذا الدّيار تنكّرت عن أهلها # فدع الدّيار و أسرع التّحويلا
ليس المقام عليك حتما واجبا # في بلدة تدع العزيز ذليلا
و لآخر:
إذا خفت من دار هوانا فإنّما # ينجّيك من دار الهوان اجتنابها
و لآخر:
اصبر على حدث الزّمان فإنّما # فرج الحوادث مثل حلّ عقال
و إذا رأيت من ابن عمّك جفوة # فاشدد يديك بعاجل التّرحال
إنّ المقام على الهوان مذلّة # و العجز آفة حيلة المحتال
و قد قيل في حبّ الوطن: أحقّ البلدان بنزعك إليه بلد أمصّك حلب رضاعه. و قيل:
احفظ بلدا أرشحك غذاؤه، و ارع حمى أكنّك فناؤه.
و قيل: لا تشكونّ بلدا فيه قبائلك و لا أرضا فيها قوابلك.
و قيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة و إلى مولدها توّاقة.
قيل: و لمّا خرج الرشيد إلى خراسان و صار بعقبة همذان [١] أنشأ يقول:
[١] همذان: في الإقليم الرابع طولها من جهة المغرب ثلاث و سبعون درجة و عرضها ست و ثلاثون درجة.