المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٨٠ - مساوئ من سخط عليه و حبس
نفسك و لا تلم إلاّ جهلك. قال جعفر: ما لي ذنب فأستغفر و لا جرم فأعترف و لا لي بك قوّة فأنتصر، و أنت على ظلمي مقتدر، فإن كنت تعلم أن ما بعد الموت مصدر و لا للعباد بعد البلى محشر و لا للظالم موعد يخاف منه و يحذر فاعمل من هذا ما شئت و استكثر.
قال المهديّ: لا و الذي بمكّة بيته الحرام، و حوله الشعث العاكفون قيام، ما أخشى في إقامة الأحكام عليك و على أشباهك إثما و لا وزرا، فاستسلم للقتل و دع الكلام، فإنّه إذا عقر الأساس تداعى النظام، و إذا انكسرت القوس تعطّلت السهام، و أنت فطال ما أعنت على إطفاء النور بريح الظّلام.
قال جعفر: اعف فإنّك كريم جواد سامح، و لا تقبل فيّ قول العدوّ الكاشح، فإني من الإسلام على الطريق الواضح، رفيق على أهله و لهم ناصح، أبرّ العالمين بفهم راجح، فلا تقدم عليّ بقول كلب نابح، فقتلك إيّاي عمل غير صالح.
قال المهديّ: مذهبك و اعتقادك تزعم أن الآخر بعد فراق السّاهرة، و أن الناس كانوا أعلاما زاهرة، و أشجارا ناضرة، و زروعا غاضرة، تلبث يسيرا ثمّ تعود هشيما، و إنّ من مات لا يعود كما أن ضوء المصباح إذا طفئ لا يرجع.
قال جعفر: لا و الذي يخلق و يبيد، و هو أقرب إلينا من حبل الوريد، ما قلت ذلك و هو له شهيد، و إني أخلّص له التوحيد و التفريد و المشيّة و التحديد، و أشهد أنّه الغفور الودود، يعلم منقلب العبيد.
قال المهديّ: إن كنت تحبّ خلاص نفسك و رقبتك فأحضرني كتاب زندقتك الذي بالجهل ألّفته و بالباطل زيّنته و بالضلال زخرفته، سمّيته أسّ الحكمة و بستان الفلسفة، زعمته مستخرجا من ديوان الإلهام منظّما بحسن الكلام، عنّفت فيه الإسلام و أضللت فيه الأنام.
فقال جعفر: لا و الذي خلق الظلمات و النور، و دبّر الأمور و هو قادر على أن يبعث من في القبور، ما هذا إلاّ إفك مجترح و زور، و إن ديني لظاهر منير تقديمي ذرّيّة من هو مع اللّه جلّ و عزّ في كلّ فرض لازم أمام النبيّين في البيت المعمور، فاتّق الذي خلقك و أمر عبادك قلّدك يعلم خفيّات الأمور.
قال المهدي: و أصفح لك عن هذا فما حجّتك في كتابك الذي أضلّ أهل الشّقاق و النفاق و من منهم في الأندية و الأسواق يقرءونه و يتدارسونه في الآفاق، أمّا بعد أعلمكم أنّ اللّه جلّ و عزّ عدل لا يوالي الظالمين و لا يرضى فعال الجاهلين، و أنّه ليس للّه بوليّ من رضي بأحكام الجائرين، فسيحوا في الأرض حيث لا تنالكم أيدي المعتدين، فإنّ بني العبّاس طغاة