المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٣٨٢ - مساوئ من سخط عليه و حبس
أبا منذر جازيتني الودّ سخطة # فما ذا جزاء المجرم المتبغّض
و إنّ جزاء الحرّ منك كرامة # و ليس بنصح بالمتعرض
فلم يحفل النعمان بقوله. فقال يذكر حبسه:
إنّ للدّهر صولة فاحذرنها # لا تبيتنّ قد أمنت الدّهورا
قد يبيت الفتى صحيحا فيردى # و لقد بات آمنا مسرورا
إنّما الدّهر ليّن و نطوح # يترك العظم واهنا مكسورا
فسل النّاس أين آل قبيس # طحطح الدّهر قبلهم سابورا
خطفته منيّة فتردّى # و هو في ذاك يأمل التّعميرا
و لقد عاش ذا جنود و تاج # ترهب الأسد صوله و الزّئيرا
و بنو الأصفر الكرام ملوك الـ # رّوم لم يبق منهم مذكورا
ثمّ إنّ عديّا كتب إلى صاحب له مقيم بباب كسرى يقال له أبيّ:
فأبلغ أبيا على نأيه # و هل ينفع المرء ما قد علم
بأنّ أخاك شقيق الفؤاد # يكاد لنأيك أن يخترم
لدى ملك موثق بالحديـ # د إمّا بحقّ و إمّا ظلم
فلا تلفينّ كثير الرّقا # د بل اصرم الرّأي ثمّ اعتزم
فلمّا قرأ هذه الأبيات دخل على كسرى فأخبره بما كان من النعمان إلى عديّ، فغضب كسرى و بعث برجل من مرازبته إلى النعمان أن يطلق عديّا و يبعث به إليه. فأقبل الرسول حتى دخل إلى النعمان و أدّى إليه رسالة كسرى. فقال: نعم أنا أطلقه. و دسّ إلى عديّ من قتله ثمّ قال للرسول: ادخل السجن حتى نخرجه. فلمّا دخل إليه وجده ميتا، فرجع إلى النعمان و قال له: عجلت عليه و قتلته و أنا مخبر كسرى بذلك. فوصله بألف دينار و سأله تحسين أمره عند كسرى. فانصرف الرسول فأخبر كسرى بموته.
و كان لعديّ ابن يقال له زيد، فخاف النعمان على نفسه فهرب من الحيرة حتى أتى المدائن فدخل على كسرى و تعرّف له فقرّبه و برّه. فقال لكسرى ذات يوم: أيّها الملك إنّ لعبدك النعمان ابنة يقال لها حرقة و أختا تسمّى سعدى و ابنة عمّ تسمّى لباب و ليس في جميع الأقاليم أحسن منهنّ. فكتب كسرى إلى النعمان أن احمل إليّ ابنتك حرقة و أختك سعدى و ابنة عمّك لباب إلى يدي خادم له. فقال زيد: أيّها الملك ابعث بي مع الخصيّ. فقال: اخرج على اسم اللّه و عجّل عليّ بالنسوة. فخرجا حتى قدما الحيرة فدخلا على النعمان و دفعا إليه الكتاب.
فلمّا قرأه قال: أ ما في عين السواد و فارس ما يغني الملك عن العربيّات السود الأبدان الحمش