المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٦٦ - محاسن كلام الحسن بن علي رضي اللّه عنه
حملك على ذلك، أضعف رأي أم وهن نحيزة [١] ، فما أظن لك مخرجا من هاتين الخلتين، أما و اللّه لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير و أني لا أنكص عن الأبطال، و كيف لا أكون كذلك و جدّتي صفية بنت عبد المطلب و أبي الزبير حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أشد الناس بأسا و أكرمهم حسبا في الجاهلية و أطوعهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فالتفت إليه الحسن و قال: أما و اللّه لو لا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونا، و لكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعي و لا الكليل اللسان، إياي تعيّر و عليّ تفتخر و لم يكن لجدك بيت في الجاهلية و لا مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها و شرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها و من الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زندا، لنا الشرف الثاقب و الكرم الغالب، ثم تزعم أني سلمت الأمر لمعاوية، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك و أنا ابن أشجع العرب و قد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين و خير الإماء؟لم أفعل ذلك ويحك جبنا و لا ضعفا و لكنه بايعني مثلك و هو يطلبني ببرة و يداجيني المودة و لم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر، و كيف لا يكون كما أقول و قد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته و نكص على عقبيه و اختدع حشية من حشايا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ليضل بها الناس، فلما دلف [٢] نحو الأعنة و رأى بريق الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له و أتي بك أسيرا و قد وطئتك الكماة بأظلافها و الخيل بسنابكها و اعتلاك الأشتر فغصصت بريقك و أقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث؟فنحن ويحك نور البلاد و أملاكها و بنا تفخر الأمة و إلينا تلقى مقاليد الأزمة، أ نصول و أنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟لم تزل الأقاويل منا مقبولة و عليك و على أبيك مردودة، دخل الناس في دين جدي طائعين و كارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، رضي اللّه عنه، فسار إلى أبيك و طلحة حين نكثا البيعة و خدعا عرس [٣] رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقتل أبوك و طلحة و أتي بك أسيرا، فبصبصت بذنبك و ناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي و أنا سيدك و سيد أبيك، فذق وبال أمرك!فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا و أحب الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم و العفو!فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أ تدري من أي شجرة أنا و إلى من أنتمي؟انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق و البلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية:
[١] نحيزة: نحيزة الرجل طبيعته.
[٢] الدلف: المشي الرويد و دلف دلفا إذا مشى و قارب الخطى.
[٣] عرس: العرس الصهر: و عرس الرجل زوج ابنته و أخته.