المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٦٥ - محاسن كلام الحسن بن علي رضي اللّه عنه
إلى زياد فقال: و ما أنت يا زياد و قريشا لا أعرف لك فيها أديما صحيحا و لا فرعا نابتا و لا قديما ثابتا و لا منبتا كريما بل كانت أمك بغيا تداولها رجال قريش و فجار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا، يعني معاوية، بعد ممات أبيه، مالك افتخار تكفيك سمية و يكفينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه و عميّ حمزة سيد الشهداء و جعفر الطيار و أنا و أخي سيدا شباب أهل الجنة!ثم التفت إلى ابن عباس فقال: يا ابن العم إنما هي بغاث [١] الطير انقض عليها أجدل [٢] . فأراد ابن عباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف فكف ثم خرجا، فقال معاوية أجاد عمرو الكلام لو لا أن حجته دحضت و تكلم مروان لو لا أنه نكص. ثم التفت إلى زياد و قال: ما دعاك إلى محاورته؟ما كنت إلا كالحجل في كف البازي. فقال عمرو: أ لا رميت من ورائنا؟قال معاوية: إذا كنت شريككم في الجهل، أفاخر رجلا رسول اللّه جده و هو سيد من مضى و من بقي و أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين؟ثم قال لعمرو: و اللّه لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السوآء. فقال عمرو: لقد أبقى عليك و لكنه طحن مروان طحن الرحى بثفالها [٣] و وطئهما وطء البازل [٤] القراد بمنسمه. فقال زياد: قد و اللّه فعل و لكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا و بينهم، لا جرم اللّه لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما. فخلا ابن عباس بالحسن فقبل بين عينيه و قال: أفديك يا ابن عم، و اللّه ما زال بحرك يزخر و أنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا. ثم أن الحسن، رضي اللّه عنه، غاب أياما ثم رجع حتى دخل على معاوية و عنده عبد اللّه بن الزبير، فقال معاوية يا أبا محمد إني أظنك تعبا نصبا فأت المنزل فأرح نفسك فيه. فقام الحسن، فلما خرج قال معاوية لعبد اللّه بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ابن عمته و لأبيك في الإسلام نصيب وافر.
فقال ابن الزبير: أنا له!فرجع و هو يطلب ليلته الحجج، فلما أصبح دخل على معاوية، و جاء الحسن فحياه معاوية و سأله عن مبيته فقال: خير مبيت و أكرم مستفاض. فلما استوى في مجلسه قال ابن الزبير: لو لا أنك خوار في الحرب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر و كنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب و قطع المفاوز تطلب معروفه و تقوم ببابه، و كنت حريا أن لا تفعل ذلك و أنت ابن علي في بأسه و نجدته، فما أدري ما الذي
[١] البغاث طائر من طيور الماء رمادي اللون طويل العنق.
[٢] الأجدل صفة للنسر.
[٣] ثفالها الثفال: جلد يبسط فتوضع الرحى فيطحن باليد ليسقط عليه الدقيق.
[٤] البازل: بزل البعير يبزل بزولا إذا فطر نابه و انشق فهو بازل.
غ