المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٧٣ - محاسن صلات الشعراء
عندنا من أمره إلا معرفة الكنية، فإنا سألناه عنها فأنبأنا أنه يكنى أبا الفضل، فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس: أخبركم كيف عرفتكم؟قلنا له: إنا لنحب ذاك. فقال: أحببت جارية في جواركم و كانت مولاتها ذات حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها و بين حبائبها و كنت أجلس لها في الطريق و رأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبرت عن ائتلافكم و مساعدة بعضكم بعضا فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية. فسألناه فخبرنا بمكانها.
فقلنا له: فإنا نخدعها لك حتى يظفرك اللّه بها. قال: يا إخوتي إني و اللّه على ما ترون من شدة الشوق إليها و الكلف بها و ما قدرت فيها حراما قط و ما تقديري إلا مطاولتها و مصابرتها إلى أن يمن اللّه جل و عز بثروة فأشتريها. فأقام معنا شهرين و نحن به على غاية الاغتباط و بقربه على غاية السرور، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممض و لوعة مؤلمة و لم نعرف له منزلا نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا، فكدر عيشنا الذي كان صافيا قد طالب لبابه، و قبح ما كان قد حسن لنا بقربه و انصرام الغم بمحادثته، فكنا فيه كما قال القائل:
يذكرنيهم كلّ خير رأيته # و شر فما أنفكّ منهم على ذكر
فغاب عنا عشرين يوما لا نلتذهن، ثم نحن يوما مجتازون في الرصافة فإذا به و قد طلع في موكب نبيل و زي جليل فحيث بصر بنا انحط عن دابته و انحط غلمانه ثم قال: يا إخوتي ما هنأني عيش بعدكم و لست أماطلكم بحديثي و خبري حتى نبلغ المستقر، ثم مال بنا إلى مسجد فقال: أعرفكم أولا نفسي، أنا العباس بن الأحنف و كان من خبري أني انصرفت من عندكم إلى منزلي و المسودة قد أحاطت بي فمضي بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى ابن خالد فقال: ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك و حسن تأتيك!و إن الذي ندبتك له من شأنك، و قد عرفت خطرات الخلفاء و إني أخبرك أن ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين و قد جرى بينهما عتب و هي بعزة دلالة المعشوق تأبى أن تعتذر و هو بعزة الخلافة و شرف الملك يأبى ذلك، و قد رمت الأمر من قبلهما فأعياني و هو أحرى أن تستفزه الصبابة فقل شعرا تسهل به هذا السبيل، فقضى كلامه، ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه، و أعطيت قرطاسا و دواة فاعتراني الزمع [١] و نفر عني كل شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء و الرسل ما تغبني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني، فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع. و في قدر ذهاب الرسول و مجيه حضرني بيتان من غير ذلك الروي، فكتبت الأربعة أبيات في صدر الرقعة و عقبت بالبيتين فكتبت:
[١] الزمع: المضاء في الأمر و العزم عليه.