المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٧٥ - محاسن صلات الشعراء
بعد ما قلتم و لكن هي جارية في نفسي بها يتم سروري، إن هذه الجارية أريد إيثار نفسي بها و أكره أن تنظر إلي بعين من قد ماكس في ثمنها فدعوني أعطيها خمس مائة دينار. قلنا: قد حطت مائة!قال: و إن فعلت. فصادفت مولاتها رجلا حرا و أخذت من الثمن ثلاثمائة و جهزتها بالباقي فما زال لنا عشيرا حتى فرق بيننا و بينه الموت.
و عن المبرد قال: حدثني من اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون الخليفة و كان يقول: إن نفسي تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا يقاربني في أدب و لا يوازيني في نسب و لا يصلح أن يكون شعره خادما لشعري. و كان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج من منزله حتى يأتي على جميع ما معه، فلا يزال في أكل و شرب و قصف حتى يفنى ما معه، فعرف بذلك، و كان البرامكة و يزيد بن مزيد الشيباني و محمد بن منصور بن زياد يبرونه و يعطفون عليه و يتفقدون من حاله. فخرج ذات يوم فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد عليه السلام و رحب به و سأله عن شأنه فخبره و سأله أن يقربه من الخليفة و أن يحتال حتى يعد في ممازحيه و من يجري عليه أرزاقه. فقال له الحميري: سأتأتى لوصولك إلى أمير المؤمنين. فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس [١] النفس قد اشتمل عليه الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا و أنه لا يتشبث منها بشيء إلا كان كالظل الزائل و السراب الخادع. فقال له جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين أ فتظن أن هذا الفكر يحبس عليك الأيام و يمنعك مما لا تستمتع به؟إنما هذا الذي أنت فيه عارض عرض لك، و قد كان ملك من الملوك يقال له بهمان و كان من أجل ملوك العجم و كان حكيما يقول: الهم مفسدة للنفس و مضلة للفهم و مشدهة للقلب، و من أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه، و قد قالت الحكماء: بالسرور يطيب العيش و مع الهم يتمنى الموت. و قال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال: من يملك يستأثر، و من لا يستشر يندم، و الهم نصف الهرم، و الفقر الموت الأكبر. قال: فكأن الرشيد نشط و اندفع عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر. فتقدم إليه الحميري و قال: يا أمير المؤمنين خلفت بالباب آنفا رجلا من أخوالك الأنصار متقدما من شعره و أدبه و ظرفه، أنشدني قصيدة يذكر فيها أنسه و لهوه و لعبه و محادثته إخوانه و يذكر مجالس اتصلت له بأبلغ قول و أحسن وصف و أقرب رصف، يبعث و اللّه على الصبابة و الفرح و يباعد عن الهم و الترح، و كأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين و سعادة جده لأن يكون مبرئا من هذه الشكوى زائدا في سرور أمير المؤمنين مستدعيا له صلة رحمه و التشرف بخدمته. قال: فاستفزه السرور و القلق إلى دخوله عليه و استماع قصيدته و جعل يتابع الرسل
[١] اللقس: الحريص على كل شيء.