المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٩٩ - المناظرات في الأدب
و أوردها فحل السّحاب عرائسا # ضعاف القوى من مرضع و فطيم
إذا برزت منهنّ بكر حسبتها # تراك و إن أضحت بعين سقيم
كمثل نشاوى الرّاح يلثم ذاك ذا # أو الرّيح جادت بينها بنسيم
تخال وقوع الطّلّ فيهنّ أدمعا # رنت بعيون غير ذات سجوم
قال: أحسنت يا أسواري، يا غلام اسقنا على هذا. ثمّ جلس على كرسيّ مغشى بالحرير و إذا غلام قد أقبل يهتزّ كأنّه القضيب المائل حين اخضرّ شاربه و بدا عذاره و في يده كأس و إبريق فصبّ في الكأس من الإبريق ثمّ مزجه و ناوله إيّاه، فأخذه في يده ساعة و جعل ينظر إلى الغلام ما يردّ بصره عنه، ثمّ قال: يا أسواري هل يحضرك في صفة مثل هذا شيء؟قلت: نعم يا سيّدي، و أنشده:
ثجّاج مزن شجّ كأس رحيق # ريق المهفهف فيه أعذب ريق
أذرى لخوف البين حرّ مدامع # في درّ خدّ فيه ذوب عقيق
هو في تناهي صدق حسن فائق # في حسن صورة يوسف الصّدّيق
قامت على رجل به الدّنيا لنا # إن قام بالمنديل و الإبريق
فرأى على قلبي لواحظ طرفه # و تلا كتاب الحبّ بالتّحقيق
إن دام ذا في حسنه أبدا لنا # سمّي فقيه العصر بالزّنديق
قال: فقال المأمون: أحسنت ويحك فمن صاحب هذه الأبيات؟قلت: فلان يا أمير المؤمنين. فقال: أشعر و اللّه منه في هذا المعنى شيخ الشعراء أبو النواس حيث يقول:
كفّي فلست لعاذل بمطيق # بلغ الهوى بي غاية التّحقيق
قطع الهوى فرط الشّباب بباطل # أيدي الزّمان و ألسن التّصديق
و جداول موصلة بجداول من # صوب غادية و لمع بروق
تكسو مدامعه الرّياض عرائسا # من نرجس متكاثف و شقيق
باكرتها قبل الصّباح بسحرة # قبل ابتكار مجرّة العيّوق
من كفّ أحور ذي عذار أخضر # يسبي القلوب بقدّه الممشوق
فكأنّ ما في الكأس من إبريقه # نار تسلّل من قم الإبريق
و كأنّها و الماء يأخذ جسمها # درّ ينشّر فوق أرض عقيق
و تضوع مسكا في الزّجاجة أذفرا # ذوب الشّباب معصفرا بخلوق
قمر عليه من البدائع حلّة # يسقيك كأس هوى و كأس رحيق
ما طاب عيش فتى يطيب بغيرها # لا سيّما إن شجّها بالرّيق