المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٢٩٨ - المناظرات في الأدب
فقال: أحسن الناس قولا في صفة الخمر الذي يقول:
فتمشّت في مفاصلهم # كتمشّي البرء في السّقم
فعلت في البيت إذ مزجت # مثل فعل الصّبح في الظّلم
فاهتدى ساري الظّلام بها # كاهتداء السّفر بالعلم
قلت: فائدة يا أمير المؤمنين. ثمّ قال: ما معنى قول هند:
نحن بنات طارق # نمشي على نمارق
إن تقبلوا نعانق # أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
ففكرت في نسبها و نسب أبيها فلم أجد طارقا فقلت: ما أعرف طارقا يا أمير المؤمنين.
فقال: إنّما قالت إنّها في العلوّ و الشرف بمنزلة الطارق و هو النجم، من قول اللّه، عزّ و جلّ، و السّماء و الطارق، قلت: فائدة يا أمير المؤمنين ثانية. ثمّ التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر و ابن بؤبؤه. فلم أدر ما قال و قمت لأخرج. فلمّا نظر إليّ و قد قمت رمى إليّ بعنبرة كانت في يده بعتها بخمسة آلاف درهم، قال: فرجعت إلى كتبي فنظرت فيها لأعرف ما قال فوقعت على هذه الأبيات لبعض الأعراب:
كأنّما بنت أبي المحيرية # قاعدة في إتبها [١] لؤيليه
قد فاقت البؤبؤ و البؤيبية
فعلمت أنّه عنى به السيّد و ابن السيّد.
قال أبو عبد اللّه الأسواريّ: دخلت على المأمون في حديقة له و في يده مقراص ذهب و هو يقرص به ما طال من أوراق تلك الروضة و يقوّم ما بدا من أغصانها، فسلّمت و قلت: يا أمير المؤمنين، جعلت فداك، إنّك لمستهتر بهذه الحديقة حتى إنّك لا تأمن عليها أحدا. قال:
نعم يا أسواريّ فهل يحضرك في ذلك شيء؟قلت: نعم، و أنشدته:
أوائل رسل للربيع تقدّمت # على طيب وجه الأرض خير قدوم
فراقت لها بعد الممات حدائق # كواس و كانت مثل ظهر أديم
إذا اقتصّها طرف البصير بلحظة # توهّمها مفروشة برقوم
كأنّ اخضرار الزّهر و الرّوض طالع # عليه سماء زيّنت بنجوم
تردّت بظلّ دائم فتضاحكت # كضحك بروق في بكاء غيوم
[١] الإتب: بردة تشق فتلبس من غير كمّين و لا جيب.
غ