المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٨٤ - محاسن صلات الشعراء
فكنت لدار الجود يا معن عامرا # فقد أصبحت قفرا من الجود بلقا
أبى ذكر معن أن يميت فعاله # و إن كان قد لاقى حماما و مصرعا
فتى عيش في معروفه بعد موته # كما كان بعد السّيل مجراه مرتعا
فقال: يا أمير المؤمنين إنما معن حسنة من حسناتك و فعلة من فعلاتك فأمر له بألف دينار ثم قال: سل حاجتك. فقال:
بيضاء تسحب من قيام فرعها # و تغيب فيه و هو جعد أسحم
فكأنها فيه نهار مشرق # و كأنّه ليل عليها مظلم
قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير.
قال: و دخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى يسأله إيصاله إلى الرشيد و أنه قد مدحه بقصيدة ينشدها إياه و قد كان جعفر وصله بثلاثين ألف درهم كتب له بها إلى صالح الصيرفي و كانت فيها دراهم طبرية، فقال:
ثلاثون ألفا كلّها طبريّة # دعا لي بها لمّا رأى الصّكّ صالح
دعا بالزّيوف النّاقصات و إنّما # عطاء أبي الفضل الجياد الرّواجح
فقلت له لمّا دعا بزيوفه # أ الجدّ هذا منك أم أنت مازح
فلما أنشد ذلك جعفرا ضحك و قال: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده:
كأنّ الشّمس يوم أصيب معن # من الظّلماء ملبسة جلالا
و كان النّاس كلّهم لمعن، # إلى أن زار حفرته، عيالا
فقال جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده و أهله؟قال: لا. قال: فلو كان حيا ثم سمعها منك بكم كان يثيبك؟قال: بأربع مائة دينار. قال: أظن أنه كان لا يرضاها لك، قد أمرنا لك عن معن بأربعمائة كما ظننت و زدناك مثلها لما ظنناه به فيك فاغد على الخازن لقبضها منه،
قال: و دخل أعرابي على داود بن يزيد بالنسد فقال: أيها الأمير تأهب لمديحي. فتأهب ثم قال: لئن أحسنت لأحسنن إليك و لئن أسأت لأردن شعرك عليك، فقال:
أمنت بداود وجود يمينه # من الحدث المخشيّ و البؤس و الفقر
و أصبحت لا أخشى بداود نبوة # و لا حدثانا إذ شددت به أزري
فما طلحة الطّلحات ساواه في النّدى # و لا حاتم الطّائي و لا خالد القسري
له حكم لقمان و صورة يوسف # و ملك سليمان و صدق أبي بكر
فتى تهرب الأموال من طلّ كفّه # كما يهرب الشّيطان من ليلة القدر