المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٥٥ - محاسن السخاء
قالوا: و ما الرهن؟قال: الحقة، قالوا: قد ردها تحت خاتمك، فقال: أين هي؟فأتي بالحقة ففتحها حتى نظر إليها و فرح فرحا شديدا فعدا إلى الفضل فوجده قد سبقه إلى دار أمير المؤمنين فتبعه فلم يزل واقفا ينتظره حتى خرج الفضل من باب آخر فصار إلى منزله و شكر له ما كان منه و انصرف عنه، فلما دخل منزله وجد فيه ألف ألف درهم سوى الأولى، فقال: ما هذا؟قالوا: بعث به الفضل، فأتاه فقال له: جعلت فداك!أ ما كان فيما وجهت به أمس كفاية حتى أردفته بمثله؟فقال: إنه و اللّه طالت علي ليلتي فركبت إلى أمير المؤمنين و أعلمته حالك فأمرني بالتقدير لك فقدرت مائة ألف دينار، فما زال يقول و يماسكني حتى وقفت على ألف ألف فأمر لك بها فلم أنصرف إلى المنزل حتى حمل المال إليك، فقال محمد: لست أجد لك شكرا أقضي به حقك غير أنه على ابن محمد بن علي و عليه من الأيمان المغلظة إن وقفت بباب أحد سواك أبدا حتى ألقى اللّه جل و عز و لا أسأل احدا حاجة ما بقيت سواك، فكان لا يركب إلى أحد سوى الفضل و لا يقف بباب أحد غيره.
و من كرمه ما حدّث به المأمون فكبر عنده و استحسنه و عجب من جوده و سعة صدره، فإنه بلغنا عن عمرو بن مسعدة قال: رفعت قصة إلى المأمون منسوبة إلى محمد بن عبد اللّه يمت فيها بحرمة و يزعم أنه من أهل النعمة و القدر و أنه مولى ليحيى بن خالد و أنه كان ذا ضيعة واسعة و نعمة جليلة و أن ضياعه قبضت فيما قبض للبرامكة و زالت نعمته بحلول النقمة عليهم، فدفعها المأمون إلى ابن أبي خالد و أمره أن يضم الرجل إلى نفسه و أن يجري عليه و يحسن إليه، ففعل ذلك به و صاحت حاله و تراجع أمره و صار نديما لابن أبي خالد لا يفارقه، فتأخر عنه ذات يوم لمولود ولد له، فبعث إليه فاحتجب عنه، فغضب عليه ابن أبي خالد و أمر بحبسه و تقييده و إلباسه جبة صوف، فمكث لذلك أياما فسأله المأمون عنه فقص عليه قصته و عظم عليه جرمه و شكا ما يراه عليه من التيه و الصّلف [١] و الافتخار بالبرامكة و السمو بآبائهم، فأمره بإحضاره، فأحضر في صوفه، فأقبل عليه المأمون بالتوبيخ مصغرا لقدره مسفها لرأيه و عظم في عينه إحسان ابن أبي خالد إليه مع طعن على البرامكة و وضع منهم، فأطنب في ذلك، فقال: محمد: يا أمير المؤمنين لقد صغرت من البرامكة غير مصغر و وضعت منهم غير موضوع و ذممت منهم غير مذموم، و لقد كانوا شفاء أسقام دهرهم و غياث إجداب عصرهم، كانوا مفزعا للملهوفين و ملجأ للمظلومين، و إن أذن لي أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم و يقف على جميل أخلاقهم و محمود مذاهبهم في عصرهم و الأفعال الشريفة و الأيادي النفيسة!قال: هات، قال: ليس بإنصاف محدث مقيد في جبة
[١] الصلف: مجاوزة القدر في الظرف و البراعة و الادعاء فوق ذلك تكبرا.
غ