المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٧٦ - محاسن صلات الشعراء
بعضهم في إثر بعض حتى دخل. و كان حلو الشمائل، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب و شرته و لم يكن في عداد من قد اضطرب سنا، و كان ناهيك من رجل معه فهم و تجربة و تمييز و معرفة، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس و الانبساط و استدعى منه أن يزيد في الأنس، فانبرى مسلم ينشد قصيدته، فجعل الرشيد يتطاول لها و يستحسن ما حكاه من وصف شراب و لهو و دماثة و غزل و سهولة ألفاظه فأمر له بمال و أمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه، و جعل الرشيد و أصحابه يتناشدون قصيدته، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني و الرشيد الذي سماه بهذا الاسم، و القصيدة هي هذه:
أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي # و لا تطلبا من عند قاتلتيّ ذحلي [١]
فما جزعي أنّي أموت صبابة # و لكن على من لا يحلّ لها قتلي
أحبّ الّتي صدّت و قالت لتربها: # دعيه الثّريّا منه أقرب من وصلي
بلى ربّما وكّلت عيني بنظرة # إليها تزيد القلب خبلا على خبل
كتمت تباريح الصّبابة عاذلي # فلم يدر ما بي و استرحت من العذل
و مانحة شرّابها الملك قهوة # يهوديّة الأصهار مسلمة البعل
ربيبة شمس لم تهجن عروقها # بنار و لم يجمع لها سعف النّخل
بعثنا لها منّا خطيبا لبضعها # فجاء بها يمشي العرضنة [٢] في مهل
قد استودعت دنّا لها فهو قائم # بها شفقا بن الكروم على رجل
فوافى بها عذراء خلّ أخو ندى # جزيل العطايا غير نكس و لا وغل
معتّقة لا تشتكي دم عاصر # حروريّة في جوفها دمها يغلي
أغارت على كفّ المدير بكونها # فصارت له منها أنامل كالذّبل
أماتت نفوسا من حياة قريبة # و ماتت فلم تطلب بوتر و لا تبل
شققنا لها في الدّنّ عينا فأسبلت # كما أخضلت عين الخريدة بالكحل
كأنّ فنيقا [٣] بازلا من شقّ نحره # إذا أسفرت منها الشّعاع على البزل
و دارت علينا الكأس من كفّ ظبية # مبتّلة حوراء كالرّشإ الطّفل
كأنّ ظباء عكّفا في رياضها # أباريقها أوجسن قعقعة النّبل
و حنّ لنا عود فباح بسرّه # فكان عليه ساق جارية عطل
[١] الذحل: الثأر.
[٢] العرضنة: الاعتراض في السير من النشاط.
[٣] الفنق: النعمة في العيش و المفنق المترف.