المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٤٨ - محاسن السخاء
فرس، و هو يقول أعطوه ثلاثة آلاف درهم، حتى أخذت ثلاثين ألف درهم.
قال: و حدثنا يزيد البرمكي قال: كسا خالد كل ثوب كان له حتى لم يبق عليه من كسوته إلا طيلسان خلق، فاتصل خبره في كسوته بامرأته أم خالد بنت يزيد و كانت بالري فبعثت إليه بكسوة من الري طيلسان مطبق لم أر مثله جودة و حسنا و سعة، و كان خالد ذا بسطة في الجسم فكان يحتاج إلى أو سبغ ثوب و أتمه، فوضع بين يديه فنظر إليه ثم رقع رأسه إلي فقال: يا يزيد كيف ترى هذا الطيلسان؟قلت: ما رأيت مثله و إن بالأمير إليه لحاجة، قال خالد: اصنع به ما ذا شئت، قلت: تلبسه أيها الأمير، قال: أنا و اللّه إلى غير هذا أحوج، قلت: و ما هو؟قال:
أن تقوم الساعة على شريف من أشراف الناس أو حر من أحرارهم فتتحفه به فيقوم فيلبسه كل يوم عيد أو يخرج إذا خرج نحو أهله فيلبسه عند قدومه عليهم فيقول هذا كسوة خالد، هذا و اللّه أفضل و أشرف من لبسي إياه، قال: فكساه بعض عفاته.
و منهم يحيى بن خالد فإنه حدثنا علي بن الحسين الأشقر عن عبد اللّه بن أسوار قال:
كنت أخط بين يدي يحيى و كان خطي يعجبه، فبينا أنا جالس بين يديه إذ ناوله رجل كتابا فثنى أعلاه و جعل يقرؤه، فدخل الفضل ابنه فسلم و جلس ثم أقبل على رجل يحدثه و طرف يحيى في الكتاب الذي بيده، فقال الفضل لذلك الرجل: إني لأعجب كثيرا من أمر نحن فيه!كان الرجل يصل الرجل بخمسين ألف درهم فتغنيه و عشيرته فيكتفون بها و نرى ذلك في وجوههم و يتبين عليهم أثره و نحن نصل الرجل بالخمس المائة الألف الدرهم و الأكثر فلا نرى ذلك في وجوههم!فالتفت إليه يحيى و قطع قراءة الكتاب فقال: يا أبا العباس إذا كان أمل الرجل ألف ألف درهم و أعطيته خمس مائة ألف لم تقع منه موقعا و إنما يرى في وجه الرجل ما بلغ به الأمل، فعجب أهل المجلس من كرمه و قوله و ما زالوا يحكونه عنه.
و حدث ابن مزروع عن أبيه قال: كنت أسير في موكب يحيى بن خالد فعرض له رجل من العامة و معه كتاب فقال: أصلح اللّه الأمير، اختم هذا الكتاب، فبادر إليه الشاكرية يزجرونه من حواشي موكبه، فقال: دعوه قبل أن لا ننتفع به، يعني خاتمه، و استدناه فختمه له، و تعجب مسايروه من اغتنامه المعروف و عمله بأفعال الرجال.
و حدث صالح بن سليمان قال: و ذكر ليحيى و هو مجاور بمكة أن بجدة قوما يصيدون السمك و يبيعونه و يشترون طعامهم به فإن لم يجدوا صيدا مكثوا أياما لا يأكلون يشد الرجل على بطنه حجرا و لا يسألون الناس شيئا و ربما مات أحدهم جوعا، فقال: هؤلاء أعجب قوم سمعت بهم، ينبغي أن نلتمس الثواب فيهم، فبعث فحمل إليه بعضهم فسأله عن حالهم فأخبره فقال: و كم أنتم؟فذكر عدة، فقال: و كلكم على هذه الطريقة؟قال: نعم، قال: فما يغنيكم؟