المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٠٤ - محاسن الدهاء و الحيل
اخرج إلي أسائلك، فعرفه الغلام، فقال: إني أخاف، أفآمن أنا إن خرجت حتى ألبس ثيابي؟ قال: نعم، فخرج و قال: و اللّه لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب و قال: خدعني و رب الكعبة! و وكل به رجلا من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه.
قال: و كان رجل من الخوارج قال في قصيدة له:
و منّا يزيد و البطين و قعنب # و منّا أمير المؤمنين شبيب
فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله، فأتي به، فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل: و منا أمير المؤمنين شبيب؟قال: لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، قال:
فكيف قلت؟قال: قلت و منا أمير المؤمنين شبيب، فضحك عبد الملك و أمر بتخلية سبيله، فتخلص بحيلته و فطنته لإزالة الإعراب عن الرفع إلى النصب.
و زعموا أن عمرو بن معدي الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابة جميلة منفرة فأخذها، فلما أمعن بها بكت، فقال: ما يبكيك؟قالت: أبكي لفراق بنات عمي، كن مثلي في الجمال و أفضل مني، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي، قال و أين هن؟قالت: خلف ذلك الجبل و وددت إذ أخذتني أخذتهن، فأخذ إلى الموضع الذي وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاك في السلاح فعرض عليه المصارعة فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروبا من المناوشة فغلبه الفارس في كلها، فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدّم، فاستنقذ الجارية منه.
و عن عطاء أن مخارق بن عفان و معن بن زائدة لقيا رجلا ببلاد الشرك و معه جارية لم يريا مثلها شبابا و جمالا فصاحا بها ليخلّي عنها، و معه قوس فرمى و هابا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره و سلم الجارية و أسند في جبل كان قريبا منه، فابتدر الجارية و في أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من أذنها، فقالت: و ما قدر هذا؟لو رأيتما درتين معه في قلنسوته، و في القلنسوة وتر قد أعده فنسيه من الدّهش!فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخرجه و عقده في قوسه، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء و خليا عن الجارية.
قيل: و استودع رجل رجلا مالا ثم طلبه به فجحده، فخاصمه إلى إياس [١] بن معاوية القاضي و قال: دفعت إليه مالا في مكان كذا و كذا، قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع و انظر إلى تلك الشجرة فلعل اللّه أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة،
[١] إياس بن معاوية قاضي البصرة و أحد أعاجيب الدهر في الفطنة و الذكاء.