المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٨٦ - محاسن الوفاء
كأنك جئت بمروان القرظ!فقال لها مروان: و ما ترجين من مروان؟قالت: عظم فدائه. قال:
و كم ترجين من فدائه؟قالت: مائة بعير. قال مروان: ذلك لك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف ابن محلم. قالت: و من لي بمائة من الإبل!فأخذ عودا من الأرض فقال: هذا لك بها.
فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته، فبعث عمرو بن هند أن يأتيه به، فقال: قد أجارته ابنتي و ليس إليه سبيل. فقال عمرو: قد آليت [١] أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي. فقال عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو إلى ذلك. فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده و وضع عوف يده بين أيديهما فعفا عنه.
و يقال: إن قباذ أمر بقتل رجل من الطاعنين على المملكة، فقتل، فوقف على رأسه رجل من جيرانه و صنائعه.
فقال: رحمك اللّه، إن كنت لتكرم الجار و تصبر على أذاه و تؤاسي أهل الخلة و تقوم بالنائبة و العجب كيف وجد الشيطان فيك مساغا حتى حملك على عصيان ملكك فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته و قديما ما تمكن ممن هو أشد منك قوة و أثبت عزما!فأخذ صاحب الشرطة الرجل فحبسه و أنهى كلامه إلى قباذ، فوقع: يحسن إلى هذا الذي شكر إحسانا يفضل به و ترفع مرتبته و يزاد في عطائه.
قيل: و لما قتل كسرى النعمان بن المنذر كتب إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يبعث إليه بولد النعمان بن المنذر و تركته من المال و الإبل و الخيل و السلاح، و كان النعمان اودع ذلك هانئ بن مسعود، فبعث إليه إياس يعلمه بما كتب كسرى، فأبى أن يسلم شيئا من تركة النعمان، فكتب إياس إلى كسرى يعلمه ذلك، فآلى على نفسه ليستأصلن بكر بن وائل، فكتب إلى إياس يأمره بالمسير إليهم لمحاربتهم فيمن معه من طيء و إياد و غيرهم، و كتب إلى قيس بن مسعود الشيباني المعروف بذي الجدين، و كان عاملا على سفوان [٢] ، يمنع العرب من دخول أطراف السواد و يأمره أن يسير بمن معه من قومه فيعين إياسا على محاربة بكر بن وائل، ثم عقد كسرى لقائد من قواده يسمى الهامرز في اثني عشر ألف رجل من أبطال أساورته و وجهه إلى إياس لمعاونته، ثم عقد أيضا لهرمز جرابزين، و كان أعظم مرازبته في مثل ذلك، و أمره أن يقفو أثر الهرمز حتى يوافي إياس بن قبيصة، فسارت الجيوش إلى بكر بن وائل، و كانوا بمكان يسمى ذا قار منه إلى مدينة الرسول خمس مراحل مما يلي طريق البصرة، فأقبلت الجيوش حتى أناخت على بكر فأحدقت بهم، ثم إن عظماء بكر بن وائل اجتمعوا إلى هانئ بن مسعود
[١] آليت: حلفت و منه الإيلاء في الفقه في كتاب الطلاق.
[٢] واد من ناحية بدر.