المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١٦ - محاسن التيقظ
كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلا رجلا حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم؟
قال: و حدثنا سليمان بن علي النوفلي قال: سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لنا المأمون يوما من الأيام: من أنبل من تعلمون نبلا و أعفهم عفة؟قال: فقلنا و أكثرنا، فبغضنا مدحه و قرظه و قدمه على كل خليفة و إمام و عددنا ما نعرف من مكارم الأخلاق، فقال: ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنا لم نردها و لا أردنا خلفاءها، قال علي بن صالح: أعرف القصة في عمر بن الخطاب، رحمه اللّه، فأشاح بوجهه و أعرض و ذكر كلاما ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره، ثم قال: ذاك أبو العباس عبد اللّه بن طاهر دخل مصر و هي كالعروس الكاملة فيها خراجها و بها أموالها جمة ثم خرج عنها فلو شاء اللّه أن يخرج عنها بعشرة آلاف دينار لفعل، و لقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إلي أنه عرضت عليه أموال لو عرضت علي أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا و هو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب و حمارين و أربعة أفراس، فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام؟فالحمد للّه الذي جعله غرس يدي و خريج نعمتي.
و قال بشر بن الوليد: كان و اللّه المأمون الملك حقا، ما رأيت خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، و كان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا الكذب، قال فقال لي يوما: صف لي أبا يوسف [١] القاضي فإني لم أره، فوصفته له، فاستحسن صفته و قال: وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به، ثم أقبل علي و قال: ما في الخلافة شيء إلا و أنا أحسن أن أدبره أبلغ منه حيث أريد و أقوى عليه إلا أمر أصحابك، يعني القضاة، و ما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام و يتوقى سوء عاقبته و يكالب عليه الفقهاء و أهل التصنع؟قال قلت: يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه!قال: لكني أدريه و أدريك و لا و اللّه ما تجيبني عنه و لا فيه بجواب مقنع، ثم قال: ولينا رجلا أشرت به قضاة الأبلة [٢] و أجرينا عليه في الشهر ألف درهم و ما له صناعة و لا تجارة و لا كان له مال قبل ولايتنا إياه. و ولينا رجلا آخر قضاء دمشق و أجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهرا، فوجهنا من يتبع أمواله في السر و العلانية و يتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة و غلام و جارية و فرش و أثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار، و ولينا رجلا أشار به إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة و عشرين شهرا، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدما
[١] أبو يوسف إبراهيم بن يعقوب صاحب أبي حنيفة كان قاضيا في البصرة توفي سنة (٢٩٧ هـ) .
[٢] الأبلة بلدة على شاطئ دجلة البصرة.