المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ٤٠٣ - مساوئ عقوق البنين
كسرى: انصرف فلست بصاحبي. فانصرف المرزبان إلى شيرويه فأخبره بمقالة كسرى. فوجّه رجلا آخر فلمّا دخل قال له مثل مقالته للأوّل، فانصرف و لم يصنع شيئا و اعتلّ على شيرويه بأنّه لم يطب نفسا بقتله.
فالتفت شيرويه إلى فتى يسمّى هرمز بن مردانشاه و كان أبوه يقال له: فاذوسبان بابل [١] و خطرنية [٢] ، و قد كان كسرى سأل المنجمين قبل ذلك بعامين عن ميتته فأخبروه أنّها على يدي رجل يكون عظيم بابل. فلمّا سمع ذلك وقعت تهمته على مردانشاه فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه. فلمّا قدم تجنّى عليه ثمّ أمر بقطع يمينه، فقطعت، فتناولها بيده الأخرى و وضعها في حجره و جعل يبكي و ينتحب. فسمع كسرى ذلك فرحمه و رقّ له فأرسل إليه أنّه قد ندم على ما كان منه و أمره أن يسأله حاجة تكون عوضا من ذهاب يده. فأرسل إليه مردانشاه أن وثّق لي بالأيمان المحرّجة، ففعل كسرى ذلك و عاهده أن يجيبه إلى جميع ما سأل. فأرسل إليه أن حاجتي أن تأمر بقتلي فلا خير في الحياة بعد يميني. فأمر كسرى به فضربت عنقه. فلمّا دخل ابنه هرمز على كسرى قال له: من أنت؟قال: أنا ابن مردانشاه فاذوسبان بابل. فقال: أنت لعمري صاحبي كنت قتلت أباك ظلما فدونك و ما أمرت به. و كان معه طبرزين، فضرب به كسرى على عضده فلم يحك فيه لأن كسرى كان في عضده خرزة لا يعمل الحديد فيه من أجلها، فضرب الشاب بيده إلى عضده و قطع تلك الخرزة ثمّ ضربه بالطبرزين حتى مات، و انصرف إلى شيرويه فأخبره، فأمر بقتله، ثمّ هلك شيرويه بعد قتل أبيه بثمانية أشهر.
و قد قالت الحكماء: و من جرّب من الأوائل أن الرجل إذا قتل أباه و أخاه لم يمتّع بعدهما إلاّ أربعة أشهر أو ما هو فوق ذلك بيسير و ربّما سلط عليه السهر فلا يزال كذلك إلى أن يتلف.
قال: و قيل للمأمون: إن بني عليّ بن صالح مجّان سفهاء. فقال المأمون: يا عليّ أحضر ولدك الأكابر و الأصاغر فإني أريد أن أرتّبهم و أرشّحهم للأمر الذي يصلحون له.
فانصرف عليّ فأخبر ولده بذلك و أمرهم بالركوب. فاستعدّوا و تزيّنوا بأحسن هيأة و استأذن لهم فدخلوا و سلّموا. فقال لهم المأمون: تركتم الأدب و اطّرحتموه و آثرتم المجون و السّفه، هذا و أبوكم أحد الفقهاء و العلماء يستضاء برأيه و يحمد مذهبه. فأقبل على عليّ فقال: أمّا على ذلك فما الذنب إلاّ لك إذ تركتهم يتتابعون في المجون و تركوا ما كان أولى بك و بهم أن تأخذهم به. فقال علي: و لا سيّما يا سيّدي هذا الكبير فإنّه باقعة لا و اللّه ما لي بهم قوّة و لا يد و هذا الكبير أفسدهم و هتكهم و زيّن لهم سوء أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون.
[١] بابل: مدينة في العراق.
[٢] ناحية من نواحي بابل.