المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١٤٧ - محاسن السخاء
هارون فأورق من أوله إلى آخره و كان قضيب موسى دون قضيب ذلك، فدعا المهدي الحكم بن موسى العنزي و هو الذي بنى أبوه واسطا [١] للحجاج فقال له: عبّر هذه الرؤيا، قال: يملكان جميعا فأما موسى فتقل أيامه و أما هارون فيبلغ مدى آخر ما عاش خليفة و تكون أيامه أحسن أيام و أنضرها و دهره أحسن دهر قال: فلم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات موسى و تولى الأمر هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى و فاطمة من إسماعيل و وفى بكل ما قال، فكان دهره أحسن الدهور.
حدثنا محمد بن علي بن الحسين العلوي قال: كنت عند عمر بن الفرج الرخجي في اليوم الذي عقد فيه المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب و لابنه العباس على الشام و الجزيرة و لعبد اللّه بن طاهر على الجند و محاربة بابك و عند عمر جماعة من الهاشميين فتذاكرنا أمر هؤلاء الثلاثة فقال عمر: فرق أمير المؤمنين في هؤلاء الثلاثة ما لم يفرق مثله أحد منذ كانت الدنيا، أمر لأخيه أبي إسحاق بخمس مائة ألف دينار و لابنه العباس بخمس مائة ألف دينار و لعبد اللّه بن طاهر بخمس مائة ألف دينار، فمن سخت نفسه بمثل هذا؟
و كان للبرامكة في هذا الشأن ما لم يكن لأحد من الناس منها، إنهم كانوا يخرجون بالليل سرا و معهم الأموال يتصدقون بها، و ربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها الثلاثة آلاف إلى الخمسة آلاف و الأكثر من ذلك و الأقل، و ربما طرحوا ما معهم في عتب الأبواب، فكان الناس لاعتيادهم ذلك يعدون إلى العتب إذا أصبحوا يطلبون ما ألقي فيها.
و منهم خالد بن برمك فإنه حدثنا يوسف بن سلام الزعفراني قال: حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يوما و هو بالري و أراد الخروج إلى مجلس له و إخراج دوابه إلى الخضرة و نحن قيام بين يديه: من يخرج مع هذه الدواب؟قال أبي: أنا، و ليس أحد يجترئ أن يتكلم، فقال: اخرج معها، فخرجت و كنت أحسن إليها: فلما رددتها حمد أثري فيها، فقلت: أيها الأمير لي حاجة، فقال: و ما حاجتك؟قلت: أمي مملوكة لقوم بالبصرة و حاجتي أن يشتريها الأمير، قال: و كم ثمنها؟قلت ثلاثة آلاف درهم، قال: ثلاثة آلاف درهم؟قلت: نعم، قال:
أعطوها ثلاثة آلاف درهم، و قال لي: اشترها الآن و اعتقها، ثم قال: ما تريد؟قلت: الحج أحج و تحج هي أيضا، قال: أعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت: نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال:
أعطوه ثلاثة آلاف درهم لثمن الخادم، قلت: نحتاج إلى ثمن كسوة، قال: أعطوه ثلاثة آلف درهم لكسوتهم، فلم أزل أقول و أعد شيئا شيئا حتى قلت: و أحتاج إلى منزل و أحتاج إلى
[١] مدينة بين البصرة و الكوفة بناها الحجاج.