المحاسن و المساوي - البيهقي، ابراهيم - الصفحة ١١٨ - محاسن التيقظ
القواد الذين لم يرتبوا في المصاف بالمصير إلى المصلى على التعبية التي حدها، و لبس ثيابه و جلس على كرسي ينتظر مضي القواد، فلما انقضى أمرهم تقدم إلى الرجالة في المسير بين يديه فتقدم منهم سبعة آلاف ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زي مخالف لزي الباقين و أربعة آلاف من المغاربة و أمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة وعدتهم أربعة آلاف، و ركبت لا أدري منزلتي أين هي و لا أعرف مرتبتي و لم أعلم أين أسير من الموكب، فلما وضع رجله في الركاب و استوى على سرجه التفت إلي و قال: يا حمدون كن أنت خلفي، فلزمت مؤخر دابته، فلما خرج من باب القصر تلقاه القواد و أصحاب المصاف يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل و سلم عليه باخلافة فيأمره بالركوب و يمضي، حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل و سلم عليه بالحلافة فرد عليه السلام فقال: كيف أنت يا إبراهيم و كيف حالك و كيف كنت في أيامك؟اركب، اركب، فلما جاوزه التفت إليّ فقال: يا حمدون!قلت: لبيك يا أمير المؤمنين!قال: تذكر، قلت: أي و اللّه يا سيدي، و أمسك، فنظرت في ما قال فلم أجدني أذكر شيئا في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه، فنغص عليّ يومي و ما رأيت من حسنه و سروري بالمرتبة التي أهلني بها، و قلت: الخلفاء لا يعاملون بالكذب و لا يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له عندي جواب و لا حقيقة، و تخوفت أن ينالني منه مكروه، فلم أزل واجما في طريقي إلى وقت انصرافه ثم أجمعت على مغالطته إن أمكنني و أعمل الحيلة في التخلص إن يسائلني، فلما استقر في مجلسه و بسط السماط [١] و جلس القواد على مراتبهم للطعام أقبلت أخدم و أختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى انقضى أمر السماط و رفع الستر و نهض أمير المؤمنين و دخل الحجرة و مضى إلى المرقد، فلم ألبث أن جاء الخادم و قال لي: أجب أمير المؤمنين فمضيت فلما دخلت ضحك إلي و قال: يا حمدون رأيت؟قلت: نعم يا سيدي قد رأيت، فالحمد للّه الذي بلغ بي هذا اليوم و أرانيه فما رأيت و لا سمعت لأحد من الخلفاء و الملوك بأجل منه و لا أبهى و لا أحسن، قال: ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي؟قلت: نعم، يا سيدي، قال: رأيت سلامه علي و ردي عليه و نزوله إلي؟قلت نعم، فقال: إنه لما كان من أمره ما كان، يعني الخلافة، قسم الطريق في يوم عيد من منزله إلى المصلى كقسمتي إياه هذا اليوم بين قواده، فوقع موضعي منه الموضع الذي كان به هذا اليوم، فلما حاذاني نزلت فسلمت عليه فرد علي مثل ما رددته حرفا حرفا على ما قال لي، قال: فدعوت له و انفرج عني ما كنت فيه و تخلى عني الغم و الكرب، ثم قال: يا حمدون إني لم آكل شيئا و أنا أنتظر أن تأكل معي فامض إلى حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هناك
[١] السماط الجماعة من الناس.
غ