المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٢ - بين السبب والقانون
وطبيعته على الجزء الآخر، وبتعبير آخر: إذا كونت الظواهر نظاما فإن هذا النظام تقود فيه فكرة الكل فكرة الأجزاء، وطبيعة الكل تحدد وجود الأجزاء [١]. ولكن لاشيليه لم يبين لنا- بعد هذا الكلام كله- ما الدليل على صحة هذه الافتراضات ولماذا يجب علينا أن نعتقد ان الظواهر تعين بعضها وإنها تخضع لقانون عام؟ وهل أننا اكتشفنا هذه الحقيقة بالتجربة أم بالعقل وكيف؟
٢- يبقى أن نسأل: ما هو نظر الإسلام كمنهج للمعرفة في هذا المضمار؟ [٢]
قبل كل شيء يذكِّر الإسلام البشر بعقله ليتخذه مصباحا يكشف به غيب الحياة- وتماما كما أن كل شيء في البيت المظلم ينكشف بالمصباح، والمصباح ذاته لا يعرف الا بنفسه بعد الإلتفات إليه- فإن الإسلام يعتبر العقل أول ما يعرف، بيد أن معرفته لن تكون الا بذاته إذ كيف يتسنى للإنسان أن يكشف العقل وهو لا يملكه؟ بل كيف يكون العقل كاشفا للبشر عن كل شيء، ولا يكون كاشفا عن ذاته؟ هكذا يبدأ الإسلام معالجة أعقد مشكلة عند البشر من زاوية جديدة وبمنهج جديد، وذلك حين يأمر الإنسان بألا يحاول معرفة العقل إلا بذات العقل، إذ إنه سينحرف عن الطريق السليم لو أراد معرفته بالتوصيف أو بتصورات غريبة عنه، فليس العقل بعيدا عن الإنسان حتى يسعى الفرد إلى معرفته بشيء غريب، بل هو أقرب إلى الفهم من أي شيء آخر، لأنه هو الذي يكشف الأشياء الأخر.
إن الكشف الذاتي الذي يتصف به العقل، نابع من أن كل شيء ظاهر بسببه، فكل ما هو منكشف للبشر وظاهر له آية من آيات وجوده. ومن هنا كان على الإنسان الغافل عن عقله ان يستثير في ذاته أكبر كمية ممكنة من معارفه ليجد أنه لا
[١] - مناهج البحث العلمي، ص ١٧٤.
[٢] - يقتبس ذلك من كتاب الفكر الإسلامي مواجهة حضارية (للمؤلف) الفصل الأول، عن المعرفة والتصورات البشرية.