المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٢ - فيخته
تحصل المعرفة بالأشياء من خلال هذه المقارنة.
وبالرغم مما في فلسفة فيخته من مثالية واضحة، فإن فيها عنصرا موجبا هو التالي:
ان النفس البشرية هي الوسيلة التي تدرك بها الأشياء، ولكنها لا تستطيع أن ترى شيئا بدون تنورها هي، أو بالأحرى توعيتها على ذاتها، ويقظتها لإمكاناتها الكامنة .. ويتم ذلك بمقارنة داخلية تتم بين النفس والخارج.
والنفس لا يمكن ان تكتشف حقيقة ما، دون ان تعتمد على مقاييسها المفطورة عليها، ولكن من جهة أخرى لا يمكن ان تعتمد النفس على هذه المقاييس دون الإيمان بها والثقة بإمكانية استثمارها في سبيل التعرف على الأشياء .. وهذا الإيمان، يأتي نتيجة وعي الذات لما فيه من إمكانات، وثقته بالتالي بقدرة هذه الإمكانات على تحقيق التطلعات.
إذا وعي الذات بداية كل معرفة، وفائدة الجدل ناشئة من قدرته على تنبه الفكر بذاته، هذا بالإضافة إلى أن المقارنة التي تتم في الجدل تبين مراحل التفكير الثلاث .. مرحلة الرؤية المبسطة، حيث يبصر الإنسان- جانبا واحدا وجامدا من الأشياء- ثم مرحلة الرؤية المركبة- حيث يكشف الإنسان وجود جوانب جديدة للأشياء يعتقد بأنها متناقضة كليا لرؤيته الأولية- ثم مرحلة الرؤية المحللة- حيث تتم المعرفة الناضجة نسبيا- وفيها نعرف إمكانية جمع الرؤية الأولى مع الرؤية الثانية إذ أن كلا منهما كان من زاوية مختلفة ومثال ذلك رجل يرى عمودا أحمر، فيزعم أن الحمرة هي لون العمود بكل جوانبه، ولكنه ما أن يدور حول العمود يرى ان لون سائر جوانبه أبيض.
وهنا ينشأ عنده تناقض بادئ الرأي ويقول:
كيف صار العمود كله أحمر وكله أبيض؟ ولكنه ينتبه فجأة إلى إمكانية الجمع بالقول أن جانبا من العمود أحمر، وجانبا أبيض.