المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦٧ - الحتمية التاريخية وإرادة التحدي
إننا تحدثنا في فصول سابقة، عن مدى تأثير العوامل المادية، والاجتماعية، والشهوات، والأهواء في تحديد مسير الإنسان. والإنسان، هو الإنسان في الماضي ومستقبلا وكما أن إنسان اليوم تتنازعه تلك العوامل المادية والاجتماعية والنفسية، ويؤثر كل واحد عليه تأثيرا متناسبا مع ظروفه، وتركيبته الوراثية، وقوة ذلك العامل، ومدى استجابة الفرد له، فكذلك إنسان الماضي والمجتمع البشري هو مجموعة أفراد، والعوامل المؤثرة في كل فرد تؤثر بالطبع في الأفراد ككل. ولا ريب ان من أهم العوامل المؤثر في الفرد، هو الاقتصاد ووسائل الإنتاج، وكيفية توزيع الثروة، وروح المجتمع الذي يعيش فيه من صبا، أو شباب أو شيخوخة [١].
ولكن السؤال هو: هل هذا تأثير حتمي في حياة الإنسان، مما يجعل الحياة البشرية، كالطبيعة ذات وتر واحد تسير عليه أبدا؟ وبالتالي، هل هناك علل تاريخية؟! هذا ما لا نقبل به. إذ اننا نعرف- يقينا- وجود تحد إرادي للإنسان، يعلو على مقتضيات الاقتصاد، ووسائل الإنتاج، والاجتماع، وروح العصر، وإن وجود قدرة أعلى للفرد على تحدي العوامل المؤثرة فيه، دليل على وجود ذات القدرة في البشرية أيضا، وبالتالي ان كل عصر تاريخي هو عصر فريد، لأنه يتكون بالمزيج من تفاعل وتشابك العوامل، ومن قدر غير مقدر- سلفا- من إرادة البشرية الحرة التي تختار إما الخضوع للعوامل أو تحديها.
كيف تختار المجموعة البشرية طريقها بإتجاه أو ضد العوامل؟ هذا أمر مرتبط بدراسة المؤرخ لكل عصر (وسنتحدث عنه ان شاء الله عند الحديث عن روح الحضارة) ولكن الحرية موجودة دائما وفي كل العصور وبهذا نعرف: إن القانون التاريخي، يختلف عن القانون الطبيعي، في أن الطبيعة لا تستطيع أن
[١] - سنتحدث إن شاء الله عن الروح الاجتماعية.