المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - الجمع بين التجربة والاستنباط
التجريبية تجريبيا كاملا، ولا يقبل من النتائج سوى القضايا التحليلية المستمدة من التجربة، وعندئذ لا يستطيع القيام باستقراء، ويتعين عليه أن يرفض أية قضية عن المستقبل، وأما أن يقبل الاستدلال الاستقرائي، وعندئذ يكون قد قبل مبدأ غير تحليلي، لا يمكن استخلاصه من التجربة [١]. هذا المأزق دفع بالمنهج التجريبي، للقبول بمبدأ تحليلي رياضي، هو مبدأ الاحتمال، الذي جمع بين النسق التجريبي والمنهج الرياضي، وأكمل الواحد بالآخر. ومن الطبيعي أن نرجع الفضل في ذلك إلى نيوتين الذي أدخل تلك التجربة العملية في بوتقة الفكر الرياضي، واستطاع أن يستخلص منها نظرية ثابتة. والحق ان قصة نيوتن، من أروع أمثلة المنهج العلمي الحديث، فمعطيات الملاحظة هي نقطة بدء المنهج العلمي، غير أنها لا تستنفذ هذا المنهج، وإنما يكملها المنهج الرياضي، الذي يتجاوز بكثير نطاق اقرار ما لوحظ بالفعل، ثم تطبق على التفسير نتائج رياضية تظهر صراحة نتائج معينة توجد فيه بصورة ضمنية. وتختبر هذه النتائج الضمنية بملاحظات هي التي تترك لنا مصحة الإجابة ب- (نعم) أو (لا). ويظل هذا المنهج إلى هذا الحد تجريبيا غير أن ما تؤكد الملاحظات صحته يزيد كثيرا على ما تقوله مباشرة، فهي كسبت تفسيرا رياضيا محددا، أي نظرية يمكن استنباط الوقائع الملاحظة منها بطريقة رياضية [٢]. ولقد كان لرجل الرياضة الشهير ج. ف. ليبينتس الفضل في معالجة المشاكل المنطقية من وجهة نظر رياضية. ولقد استطاع هذا الرياضي القدير أن يكشف كثيرا من الحقائق العلمية بمنطقه الرياضي ودون الاعتماد على التجربة. وزعم أن من الممكن رد كل علم إلى الرياضة آخر الأمر.
وبهذه الطريقة المتطرفة أثبت ليبينتس [٣] صحة قول جاليلو: بأن الطبيعة قد
[١] - المصدر، ص ٨٦ ٨٤.
[٢] - المصدر، ص ٩٧- ٩٨.
[٣] - المصدر، ص ١٠١.