المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - ب - فقد الثقة
وبتعبير آخر: إن الإنسان يسلك إلى المعرفة إما طريق الحس أو التعقل أو الإلهام، والذي يفقد الثقة بنفسه، يفقد الثقة بالحس، وبالتعقل وبالإلهام، وأخيرا لا يعترف بتلك المعرفة التي تأتيه من هذه الطرق، ولذلك فهو لا يصل إلى الحقيقة. وليس فقد الثقة بالذات (أو بوجدان الذات) يعني بالضرورة إنكار كل مصادر المعرفة، فربما يكفر الإنسان بذاته عن طريق إنكاره لواحدة من قواه وطاقاته، كالذي ينكر قدرة الإنسان على التعقل، وربما يكفر بنفسه في جهة معرفة خاصة، أو في مقابل شخص واحد، قد عرف خلاف ما يعرفه. وهكذا يبدو (وعي الذات) والثقة بما به من مقدرة على تحصيل المعرفة، شرطا أساسيا للعلم، وبفقدها تقع أخطاء فكرية كبيرة.
كما أن من يفقد القدرة على ضبط مصادر المعرفة، وتوجيهها حسب إرادته، يفقد تلك المعرفة الآتية منها أيضا. من هنا كان (وعي الذات) الذي يستتبع الثقة بمقاييسها، والقدرة على استخدام تلك المقاييس، أول وأهم مقدمات المعرفة.
هذا هو الجذر أما النتائج:
١- الإنغلاق:
الانغلاق دون مصادر المعرفة، الذي يشكل أضخم كارثة فكرية تصيب البشرية، وهي من نتائج فقد البشرية الثقة بذاتها.
فالسوفسطائيون والشكاكون، الذين قالوا ان المعرفة (أو قدرة البشر عليها) محال، تخبطوا في ظلمات الجهل فإذا بهم لا يبصرون شيئا ولا يعقلون.
والمثاليون الذين أنكروا الحس، والماديون الذين أنكروا العقل وسابقياته، وأولئك الذين أنكروا الإلهام كمصدر موثوق للمعرفة الجازمة. كلهم حجبوا عن الحقيقة، بنسبة معينة ورفضوا الاعتراف بأنفسهم، أو بقدرتهم على المعرفة بذات النسبة بينما كانوا في الحقيقة قادرين عليها.