المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣١ - منهج الاتفاق
المختلفة، وحينئذ نعرف أن هذا العامل، هو السبب المباشر لتلك الظاهرة. (ويأتي مل) بمثل الندى الذي نلاحظه على الزجاجة، أو على لوحة معدنية، في أحوال مختلفة، عندما تنفخ عليها، وعندما يكون طرف منها أبرد من الطرف الآخر، وفي الليل، وعندما تستخرج اللوحة من بئر، وهكذا ان ظاهرة (الندى) نلاحظها في أحوال مختلفة مولدة لها، ثم نفتش عن ذلك العامل الواحد، الذي يستمر مع هذه الظاهرة في كل هذه الأحوال (وهو اختلاف درجة الحرارة بين الزجاجة، أو اللوحة، وبين الوسط الخارجي) ونعتقد أن هذا العامل هو فعلا، السبب لتوليد هذه الظاهرة. والتعبير العلمي لهذا المنهج هو: إذا كان أمامنا تواجد لظاهرة واحدة في أوضاع مختلفة، ورأينا ان كل شيء يتنوع في الأوضاع، سوى شيء واحد، نعرف أنه هو السبب.
مثال ذلك إذا عرفنا انه توجد ظاهرة في الأحوال التالية (أ ب ج) (أ د ه-) (أ و ز) عرفنا أن (أ) هو سبب الظاهرة لأن غيره تغير طبعا. هذا فيما إذا لم يكن هناك ما يتناسب والظاهرة، أي ما يمكن أن يكون سببا للظاهرة، والبرهان العقلي على صحة هذه الطريقة، هو أن هذه الظاهرة بحاجة إلى علة، ولا يوجد ما يمكن ان يكون علة، إلا هذا العامل الموجود باستمرار، لأن غيره يتخلف، والعلة لا تتخلف، فهذا هو السبب والعلة، وانتقدت هذه الطريقة بعدة أمور [١].
من الضروري في هذه الطريقة ان يلاحظ الباحث جميع الظروف المحيطة بالظاهرة، حتى لا يشذ عن قلمه أي شيء، يمكن أن يكون هو السبب المباشر لوجود الظاهرة. وهذا صعب جدا، بل يكاد يكون مستحيلا، لأن الطبيعة معقدة إلى أكبر حد، وهي تحتوي على مجموعة هائلة من الأسباب، والمسببات المتشابكة المتداخلة، فلا يكفي مثلا، ان نقارن بين حالتين أو ثلاث حالات توجد فيها الظاهرة، حتى نكشف عن السبب في وجودها. ولكن هذا الانتقاد غير
[١] - المنطق الحديث ومناهج البحث، ص ١٩٦.