المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦٨ - الحتمية التاريخية وإرادة التحدي
تغير من مسارها منذ خلقها الله، بينما الإنسان بالعكس. عن هذه الحقيقة، يقول كارل سيرز: ان الإنسان ليس تاريخا إلا باعتباره موجودا مزودا بعقل، لا بوصفه موجودا طبيعيا، ونحن بوصفنا أناسا لا نكون مأسورين لأنفسنا إلا في التاريخ، لكن فيما هو جوهري لنا، لا بوصفنا موضوعا للبحث، إلا بوصفنا طبيعة، وقانونا عاما وحقيقة واقعية تجريبية خاصة، وفي التاريخ نحن نلقي أنفسنا بوصفنا (حرية ووجود وعقل) وجادين في إتخاذ القرارات، وذوي استقلال عن العالم، وما يواجهنا في التاريخ، لأن الطبيعة هو هذا السر المزدوج الانتقال، المفاجئ إلى الحرية وانكشاف الوجود في الشعر الإنساني [١].
وبسبب هذه الحرية الإنسانية، التي تتجلى في التاريخ، فنحن نحبه لأننا نحب الا بداع، والتحدي، والخلق، وفي التاريخ ومضات من الا بداع والتحدي والخلق، وهذه الومضات هي أحب الومضات إلى قلوبنا، لأنها تعطي التاريخ، الفردية التي هي لمسة إنسانية، لمسة من الاختيار، والصنع، والذاتية، لكن هذه الحرية لا تتنافى مع القانون التاريخي، لأن القانون التاريخي هو في الواقع قانون اجتماعي إنساني، والقانون الاجتماعي ليس فيه حتمية القانون الطبيعي، بل فيه نسبة محتومة من احتمال التحدي، من قبل الإنسان، الذي يتميز بالحرية في تصرفاته. ولذلك فالقانون لا يبحث عن (العلة)، بل عن (المقتضى) والذي يعني زيادة نسبة الاحتمالات في جانب، ضد جانب آخر. وبتعبير آخر: وجود ظروف ضاغطة تهيئ في جانب، ضد جانب آخر. وبتعبير آخر: فوجود طبقية في المجتمع تهيئ الظروف لاختيار الطبقة المقهورة المستضعفة الثورة ضد الطبقة القاهرة الظالمة .. لا أنها تحتم عليهم، بل لأن الحتمية لا تصدق باستمرار.
من هنا نعلم أن علينا ان نفتش عن سنن التاريخ ولكن مع المحافظة على نسبة التحدي، التي قد توجد في الإنسان باتجاه معاكس للسنة، وهذا هو ما فعله
[١] - المصدر، ص ٢٣٧.