المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٤ - منهج الاتفاق
في مجموعة عوامل لنلاحظ فيما إذا كانت الظاهرة تبقى أم لا. فإذا ذهبت الظاهرة أيضا عرفنا أن هذا العامل هو المؤثر. ولكنه منهج يخص- في هذا الجانب- بعض العلوم، بالتي يستطيع ان يتحكم فيها الإنسان، كالطب والفيزياء، وما أشبه. وفعلا استفادت مثل هذه العلوم كثيرا من هذا المنهج، وقد استخدمها باستير في كشفه عن الميكروب، حيث إنه حينما افترض ان ظاهرة التعفن، ترجع إلى وجود حيوانات دقيقة ميكروسكوبية، تتطرق إلى الوسائل والأجسام، فتتغذى بها، وتتكاثر عليها. ثم أراد البرهنة على هذا الرأي، والرد على من سخروا منه، أخذ أنبوبتين ووضع في كل منهما كمية واحدة من محلول السكر، وعقمهما في ماء تزيد درجة حرارته على ١٠٠ سنتيجراد، ثم أغلق فوهة إحديهما وترك الأخرى مفتوحة، بعد أن اتخذ جميع ضروب الحيطة حتى تتفق جميع الظروف، في كلتا الحالتين، باستثناء ظرف وحيد، وهو ان إحدى الأنبوبتين تبقى معرضة للهواء، والأخرى غير معرضة له، وبعد ان ترك الأنبوبتين، مدة معينة من الزمن أعاد فحص السائل، في كل واحدة منهما، فوجد أن التعفن تطرق إلى سائل الأنبوبة المفتوحة، وإن السائل في الأنبوبة الأخرى ظل سليما، فكانت هذه التجربة حاسمة، لأنها برهنت بحالتين متناقضتين، على صحة فرضه القائل بأن الجراثيم هي سبب التعفن [١]. ان باستير استفاد من منهج الاختلاف، إذ ان وجود (ظاهرة) التعفن ارتبط بوجود عامل التعرض للهواء، وحيث لم يوجد (عامل) التعرض للهواء، ما وجدت ظاهرة التعفن.
ويشترط في هذه الطريقة تنويع التجارب إلى أكبر عدد ممكن، حتى لا يأتي احتمال وجود عامل خفي، يرتفع عند ارتفاع العامل الأساسي (صدفة) كما يشترط استخدام العقل لاستبعاد العوامل العرضية، غير ذات الوزن العلمي.
ويجب ان نحاول ربط هذا المنهج بالمنهج السابق، بمعنى جعل قائمة
[١] - المنطق الحديث ومناهج البحث العلمي، ص ١٩٩.