المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٤ - الاستقراء بين الذوق والعقل
الاستقراء الفطري كيف ولماذا؟
جون ديوي يفصل القول في الذوق الفطري تاريخيا، وقد يلقي ذلك ضوءا على كيفية الاستفادة منه، فيقول (بتلخيص): في عهد اليونان كانوا يقسمون العلوم نوعين، الأول: العلوم السامية، التي يشتغل بها الحكماء والفلاسفة، الثاني: العلوم الدانية، التي يقوم بها أهل الحرف والسوقة، ولم يكن النوع الثاني جديرا عندهم باسم العلم فكانوا يسمونه صناعة، أو فنا، أو حيلة، لأنه كان يعالج المواقف المشكلة، وهي متغيرة، والعلم إنما عندهم ما يعالج المبادئ العامة، التي لا تتغير. بلى حين ترتفع هذه الصناعات عن مستوى معالجة المواقف الخاصة المتغيرة، ويعني بالمبادئ المطلقة، كانت جديرة باسم العلم. ثم بدأ العلم الحديث، يربط بين العلم والعمل، ويرى: أن العلم الذي يعالج المواقف المشكلة ويساعدنا على حلها عمليا، هو العلم الوحيد الجدير باسم (العلم) [١] ويستنتج ديوي من كل ذلك، أن الذوق والعلم وجهان لعملة واحدة، وأنه في يومنا هذا أصبح التذوق، أكثر علمية كما أصبح العلم أقرب إلى الذوق (أي إلى الفائدة العلمية) ومن هنا تتم الاستفادة من الذوق الفطري، علميا حين نجعله طريقا إلى إيجاد مشكلة، وبالتالي طريقا إلى التفكير العلمي لحلها.
ويكون الذوق بذلك، المرحلة المتقدمة من العلم المرتجل، فهي مرحلة التحسس بالموقف المشكل [٢] والذي يؤدي إلى الحل الذي يتطور بدوره إلى حل علمي.
فالإنسان يبدأ بتذوق الأشياء، قبل ان يبدأ بتفهمها، وشيئا فشيئا، يتحول الذوق إلى التفكير، ويتحول الاختيار الساذج إلى الا بداع والإبتكار، وهذا
[١] - أنظر ص ١٥٦- ١٦١، من كتاب المنطق ونظرية البحث لجون ديوي.
[٢] - أنظر القسم الثالث، كيف نختار المنهج السليم، من هذا الكتاب ..