المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٦ - الاستقراء بين الذوق والعقل
بصورة بديهية ذوقية.
ذلك لأن أية ظاهرة نريد دراستها، وتقييمها، بحاجة إلى معرفة ظواهر محيطة بها، ودراستها هي الأخرى تحتاج إلى معرفة ظواهر أخرى مرتبطة بكل واحدة منها، وهكذا تتسلسل حتى يضيع الفرد، ويتصل حدود البحث إلى مناطق المجهول، التي لا يحسمها سوى الحدث أو (الذوق الفطري) فمثلا في السياسة، يصل التعقيد، والتشابك بين الأحداث حدا يستحيل على العقول الآلية فضها، ويبقى على الخبير الاعتماد على ذوقه، وحدسه واجتهاده، الذي قد يخطئ، وقد يصيب. ولذلك ترى الخبراء يختلفون بدورهم في القضايا السياسية الهامة.
وما دام الإنسان لم يصل بعلمه إلى مستوى الكمال، يبقى بحاجة إلى الذوق الفطري، بل إن الذوق الفطري، يتقدم كل كشف علمي، لأن العلم يمر بمرحلة (الحدس) التي تساعد على وضع النظرية، الذي سوف نتحدث عنه قريبا إن شاء الله، وما الحدس الا نوع من الذوق الفطري .. ومن هنا لم يكن الاهتمام بالحدس، والذي هو المرحلة المتقدمة من الذوق الفطري من الوجهة السيكولوجية التي تتوصل إليها من مجالات التطبيق. وإذا كان الحدس هو وصول إلى حلول (صحيحة) أو تقاربية للمشكلات، تحت ظروف قلة المعلومات، (أو الحرمان منها بالطبع) فإن ذلك لا يعني أن هذه القدرة ليست لها أهمية حين تتوفر المعلومات، ويتيسر تبادلها فإن عصرنا الحاضر، يتميز في بعض المجالات بوفرة في المعلومات، إلى حد الانفجار، الذي لا يمكن للإنسان ان يحيط بها، مهما أوتي من وقت وجهد، وإمكانات. ولذلك فهو مضطر إلى اللجوء إلى (الملخصات) التي مهما بلغت دقتها لا توفر المعلومات الكافية فهو مضطر إلى العمل في ظروف نقصان المعلومات الأولية والأصيلة ويزداد الاعتماد على المصادر الثانوية، اما في الدول النامية فإن المشكلة أشد حدة [١].
[١] - د. سيد أحمد عثمان، ود. فؤاد عبد اللطيف في كتاب التفكير، ص ٧٥.