المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٤ - بين السبب والقانون
على اثبات الحقائق وراء الإحساس.
وصرح العلم، الذي نفتخر به اليوم، يقوم على أساس التجربة، والتجربة تقوم على قاعدتين: الحس والعقل. إن الحيوان لا يمكنه أن يكتشف من تجاربه علما، مع أنه يحس ربما أشد وأقوى. فالكلب ذو سمع شديد والصقر ذو بصر نافذ، لكنهما يفتقران إلى التجارب لأنهما يحسان فقط دون ان يعقلان (حسهما).
ثم إننا لا نملك في أي قانون من قوانينا العلمية، التجربة الشاملة التي تحصي جميع أفراد الظاهرة، دعنا نفترض قانون التجاذب الذي بشر به نيوتن، هل جرب مكتشفه كل تجارب الكون؟ كلا، فهذا مستحيل، ان ما فعله لم يتعد اجراء التجربة على بضعة حوادث حتى حصلت له القناعة التامة بأن أية حادثة أخرى، لا تعدو أن تكون مثل تلك التي جربها.
وهذه القناعة من أين حصل عليها؟ من أين استطاع قياس ما يأتي بما مضى؟ أفليس لحكم عقله بالمعادلة التالية:
إن التجربة الماضية دلت بطريق الحس على وجود تجاذب بين جسم وجسم مخصوصين، وإن هذا التجاذب ليس صدفة وإنما هو بسبب وجود علة في الأجسام، وحسب عدة ملاحظات على أنواع من الأجسام عرفنا وجود هذه العلة فيها، فدل على أن كل الأجسام ذات قوة تتجاذب بها.
ترى، كم من حكم عقلي اشترك على إعطائنا هذا القانون العلمي؟ ومع أننا لا نرتاب في هذه الأحكام فإن أحدا منا لا يدعي أنه قد جربها هي الأخرى، وأنه لولا التجربة لم يكن يعترف بها.
خلاصة القول: ان الإسلام- حين يذكرنا بالعقل، ويوجه الفرد إلى نوره وهداه، يؤمن العقل بذاته، وبما يكشفه لنا وفي طليعته الإيمان بمبدأ ثبات الظواهر، والذي يفيدنا في فكرة (السنة) الإسلامية. ان أبسط دليل على صحة فكرة السنة هو الضرورة العقلية التي تتسم بها هذه الفكرة، وهذه الضرورة هي من