المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - المنطق الاجتماعي
وهناك مساهمة أخرى قام بها دوركايم حين وقف من المنطق موقفا خاصا. فقد ذهب دوركايم إلى أن المنابع الاجتماعية هي المصادر الأولية لمدركاتنا وتصوراتنا المنطقية، لأن الإنسان ليس منفردا في مواجهته للطبيعة، بل أن المجتمع يساعده على ذلك. فالمجتمع إذا يقف حاجزا بين الإنسان والعالم، لذلك كانت عمليات الإدراك والتصور مشوبة بعناصر إجتماعية آتية من طبيعة الموقف الاجتماعي للإنسان، حيث تتأثر العمليات المنطقية، وتتشكل نظرة الإنسان إلى العالم الطبيعي، وبالتالي تصدر أحكامه وقضاياه من خلال نظرته إلى عالمه الاجتماعي، فمن المجتمع قد وردت على الإنسان وسائل فهمه للطبيعة، وأدوات إدراكه لها، وبذلك تستمد الأحكام المنطقية أصولها ومصادرها من المجتمع، بمعنى أن (الإطارات المنطقية) ليست إلا شكلا من أشكال (الإطارات الاجتماعية).
والمنطق الفردي ناشيء بالضرورة عن المنطق الجمعي. ففكرة التناقض، وهي من قواعد المنطق الرئيسية، ليست في ذاتها اجتهادا عقليا يقوم به الإنسان إنما تنشأ أصلا عن ذلك التناقض الاجتماعي بين ما هو (مقدس) وما هو (غير مقدس). وفي ضوء ذلك التمايز الديني، إستطاع الإنسان أن يميز بين الصواب والخطأ. بمعنى أن هذا التمايز المنطقي مرجعه إلى المجتمع، واتفاق الجماعة أو عدم اتفاقها، وعند دوركايم لم تسلم فكرة الهوية أو الذاتية من النشأة الاجتماعية، حيث يرد معنى الذاتية إلى فكرة الشخصية.
فمن المجتمع- في زعم دوركايم- صدرت نماذج التصنيف المنطقي، واستنادا إلى التنظيم البنائي للأشكال (المورفولوجية) الداخلة في البناء القبلي وتنبعث قوالب التنظيم المنطقي، ولذلك، يقول دوركايم: (إن الحدود والمراتب المنطقية، هي في الحقيقة شكل آخر للحدود والمراتب الاجتماعية). كما أن الروابط المنطقية التي تربط بين أفراد الجنس والنوع لا تفهم إلا في ضوء الروابط الاجتماعية التي تربط بين أفراد الاتحاد والعشيرة. ومن ثم كانت