المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٥ - الاستقراء بين الذوق والعقل
التحول يحدث كلما زادت معلومات الإنسان الدقيقة، ونظراته الواضحة. وأبسط مثال لذلك نجده في السياسة، فقديما كان السياسيون، يختارون آراءهم بالذوق، وحسب الحاجة العملية الملحة. فعندما كانت تواجه السياسي مشكلة كان يطرق برأسه إلى الأرض، ويستعرض شريط الأحداث التي ترتبط بموضوعه (طبعا كانت تتم معرفة ارتباط الأحداث بموضوعه، واختياره لها، بالبداهة، أي بالذوق الفطري. أيضا) وبعد لحظات تفكير سريع، وغامض، كان يرفع رأسه ويتخذ قرارا. ولكن اختلف الوضع، في الدول المتقدمة اليوم، حيث لا يتم الاختيار ذوقيا، وانما علميا، حيث يجتمع الخبراء، ويستعرضون صورة الأحداث التي يختارونها بدقة، وبمقاييس علمية ثم يأخذون بتقييمها معا تقييما منهجيا، وربما استعانوا بالعقول الاليكترونية ثم يقررون ما شاؤوا، ماذا اختلف من القديم إلى الحديث؟ وهل كانت السياسة في القديم ذوقا، وأصبحت علما؟ إنما اختلفت طريقة التفكير في مرحلته. فبينما كان مستوى التفكير قديما متدنيا، ومرتجلا، ومتسرعا، أصبح اليوم مستوى رفيعا ومتقدما وساميا. وبؤرة الفرق كانت التفكير الغامض ففي القديم كان التفكير يتم بسرعة وفي منطقة اللاوعي، حيث يتم اختيار الأحداث، وتقييمها بسرعة، وبحيث لا يستطيع صاحبها متابعة سيرها، وكان أسرع الناس بديهة هو أكثرهم علما، إذ ان القضية كانت ترتبط بسرعة البديهة، وكانت وصية الحكماء تقول: إذا أردت اختيار أمر صعب، فنم عليه، إذ ان النوم- لا اليقظة- كان كفيلا بتشغيل منطقة اللاوعي في الفكر البشري ومجموع هذه الأمور سمي ذوقا. أما اليوم فإن التفكير يتقدم خطوة خطوة، وفي الطريق المستقيم الظاهر الصريح. والسؤال الأخير: هل انتهى دور الذوق في حياة الإنسان؟ والجواب: بالطبع لا، إذ أولا: لا يمكننا أن نختار كل شيء في حياتنا بالتفكير المنهجي الواضح، لتباطؤ هذا التفكير، ولسرعة الحياة، وإلحاح المواقف إلى قرارات مستمرة. وثانيا: لم يزل العلم غير قادر على لملمة جوانب المواضيع كلها حتى يتم البحث بمنهجية تامة في كل مراحل التفكير السابقة على القرار ولذلك يحسم المرء كثيرا من الأمور المرتبطة بقراره،