المنطق الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - الذكاء وحده لا يغني
إلى الأرض؟ واستمر يفكر، حتى وصل إلى الحقيقة.
من هنا ينبغي للباحث أن يطلق العنان لنظراته حتى تسرح في جنبات الحياة، وتلتقط الملاحظات العامة من هنا وهناك، وكثير من الباحثين يحبسون نظراتهم، في غرف مغلقة، ويخسرون حقائق كبيرة من الحياة ومن هنا جاء في الحديث: (طوبى لمن كان نظره عبرة).
وقد يكون الذكاء أشبه شيء بالتنبؤ العلمي الغاية منه صياغة نظرية أقرب ما تكون إلى التجارب المشهودة .. كذلك التنبؤ الذي قفز إلى ذهن باستور، حيث كان يمارس تجاربه على الأمراض، إذ تخيل في البدء: أن يكون المرض ناتجا من جرثومة صغيرة، وبعد ان تابع بحثه رأى صحته.
يقول في ذلك كلود برنارد: إن الأفكار التجريبية يمكن أن تولد إما لمناسبة ظاهرة نلاحظها، وإما على أثر محاولة تجريبية، وأما كنتيجة متممة لنظرية، سبق التسليم بها [١]. وهكذا يعطينا الذكاء قدرة على البحث، بكشفه عن نظرية معينة، وفي الوقت ذاته قد يكفينا مؤونة الاستمرار في بحث عقيم، إذ قد يكشف لنا الذكاء: تناقضا في النظرية، بحيث لا يجدي معه الاستمرار في البحث عن صحتها، أو خطئها. يقول في ذلك د. محمود قاسم: يجب أن يكون الفرض خلوا من التناقض، أي انه يتحتم على الباحث- قبل الشروع في التحقق من صدق أحد الفروض، بالملاحظة والتجربة- أن يبدأ بنقده وتمحيصه، فإذا تبين له خطأه، كفى نفسه مؤونة البحث، وخاصة إذا كان إجراء التجارب، يتطلب نفقات باهظة وآلات جديدة، ويعد هذا بمثابة تجربة عقلية تهدف إلى الاقتصاد في المجهود الفكري [٢] .. وما يسميه الدكتور قاسم بالتجربة العقلية ندعوه بالذكاء. ومن هنا كان يقال: ان العالم بحاجة إلى خيال خصب لكي يساعده
[١] - المنطق الحديث ومناهج البحث، ص ١٨٧.
[٢] - المصدر، ص ١٧٩.