العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٤ - بين بخيلين
انخها فأردفها، فإن حملتكما # فذاك؛ و إن كان العقاب فعاقب [١]
قال: ما فيها محمل، و لابي طاقة على المشي.
و قد قال شاعرهم حاتم:
أ ماويّ إمّا مانع فمبيّن # و إما عطاء لا ينهنه الزجر [٢]
و قال كثير عزة:
مهين تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما [٣]
سأل عبد الرحمن بن حسان بن ثابت من بعض الولاة حاجة، فلم يقضها، فتشفع إليه برجل فقضاها؛ فقال:
ذممت و لم تحمد، و أدركت حاجتي # تولّى سواكم أجرها و اصطناعها
أبى لك كسب المجد رأي مقصّر # و نفس أضاق اللّه بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرّة # عصاها، و إن همّت بشرّ أطاعها
احتاج ابو الاسود الدؤلي مرة، فبعث إلى جار له موسر يستسلفه، و كان حسن الظن به، فاعتل عليه ورده؛ فقال:
لا تشعرنّ النّفس يأسا فإنما # يعيش بجدّ حازم و بليد
و لا تطمعن في مال جار لقربه # فكلّ قريب لا ينال بعيد
و كتب إلى آخر يستسلفه، فكتب إليه: المئونة كثيرة، و الفائدة قليلة، و المال مكذوب عليه. فكتب إليه ابو الاسود: إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا، و إن كنت صادقا فجعلك اللّه كاذبا! و قال بعض الشعراء في بخيل:
[١] العقاب: أي يركب كل منهما عقب الآخر.
[٢] يقال: نهنه فلانا عن الشيء: أي كفّه عنه و زجره.
[٣] التلاد: القديم.