العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٩ - الجاحظ و الخزامي
تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، و دينك لمعادك.
و قال أبو الأسود: إمساكك ما بيدك، خير من طلبك ما بيد غيرك. و أنشد في المعنى:
يلومونني في البخل جهلا و ضلّة # و للبخل خير من سؤال بخيل
و نظيره قول المتلمس:
و حبس المال خير من نفاد # و ضرب في البلاد بغير زاد
و إصلاح القليل يزيد فيه # و لا يبقى الكثير مع الفساد
و قيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟قال: الدهر أعرض منه!قيل له: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كله!قال: لا، و لكن أخاف أن لا أموت في أوله!
الجاحظ و الخزامي
و قال الجاحظ للحزامي: أ ترضى أن يقال لك بخيل؟قال: لا أعدمني اللّه هذا الاسم؛ لأنه لا يقال لي بخيل إلا و أنا ذو مال، فسلّم لي المال و سمّني بأي اسم شئت! فقال: جمع اللّه لاسم السخاء المال و الحمد، و جمع لاسم البخل المال و الذم.
قال: بينهما فرق عجيب و بون بعيد: إن في قولهم بخيل، سببا لمكث المال؛ و في قولهم سخي، سببا لخروج المال عن ملكي؛ و اسم البخيل فيه حفظ و ذمّ، و اسم السخي فيه تضييع و حمد، و المال ناض نافع، و مكرم لأهله، و الحمد ريح و سخرية، و مسمعة و طرمذة [١] ؛ و ما أقل غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه، و عري ظهره، و ضاع عياله، و شمت به عدوه! و قال محمد بن الجهم: من شأن من استغنى عنك أن لا يقيم عليك، و من احتاج
[١] الطرمذة: المفاخرة و الصلف.