العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٣ - بخل أهل مرو، و لابن أشرس فيهم
شاطئ دجلة في وقت الخريف، فإذا بغلام كنت أعرفه بجمال، قد تجرد من ثيابه و ألقى نفسه في الدجلة يسبح فيها، و قد احمرّ جلده من برد الماء؛ و إذا مان الموسوس يرمقه ببصره، فلما خرج من الماء قال:
خمش الماء جلده الرطب حتى # خلته لابسا غلالة خمر [١]
قلت له: لعنك اللّه يا ماني!أبعد الجهاد و الغزو تحبّ غلاما قد بات مؤخرا في الحانات؟فقال لي: ليس مثلك يخاطب يا أحمق، و إنما يخاطب هذا و أشار إلى السماء، و قال:
بكفّيك تقليب القلوب و إنني # لفي ترح ممّا ألاقي فما ذنبي؟
خلقت وجوها كالمصابيح فتنة # و قلت اهجر و ها عزّ ذلك من خطب! [٢]
فإما أبحت الصبّ ما قد خلقته # و إما زجرت القلب عن لوعة الحب!
أخذ هذا المعنى يزيد بن عثمان فقال:
أيا ربّ تخلق ما تخلق # و تنهي عبادك أن يعشقوا؟
إلهي، خلقت حسان الوجوه # فأيّ عبادك لا يعشق
و قال أبو بكر الموسوس في نصراني:
أبصرت شخصك في نومي يعانقني # كما تعانق لام الكاتب الألفا
يا من إذا درس الإنجيل ظلّ له # قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا!
و له فيه:
زنّاره في خصره معقود # كأنه من كبدي مقدود
أخبار البخلاء
بخل أهل مرو، و لابن أشرس فيهم
أجمع الناس على بخل أهل مرو، ثم أهل خراسان.
[١] خمش: خدش.
[٢] الخطب: المصيبة.