العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٦ - رسالة سهل بن هارون في البخل
فيما ذا ينفقه، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف.
و قلت لكم بالشفقة عليكم و حسن النظر مني لكم: أنتم في دار الآفات، و الجوائح غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقيّة، فاحذروا النقم و اختلاف الأمكنة؛ فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت الجميع؛ و[قد] قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في العبد و الأمة و الشاة و البعير: فرّقوا بين المنايا و اجعلوا الرأس رأسين. و قال ابن سيرين[لبعض البحريّين]: كيف تصنعون بأموالكم؟قالوا: نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، و لو لا أن السلامة أكثر؛ ما حملنا أموالنا في البحر. قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء و هي صناع.
وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى لسكرا، و للمال لنزوة؛ فمن لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه، و من لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله؛ فعبتموني بذلك؛ و قد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غنيّ أمن الفقر. و سكر الغنى أكثر من سكر الخمر.
و قال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك:
و هوب تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما [١]
و عبتمونيحين زعمت أني أقدّم المال على العلم؛ لأن المال به يفاد العلم، و به تقوم النفس قبل أن يعرف فضل العلم فهو أصل، و الأصل أحق بالتفضيل من الفرع؛ فقلتم: كيف هذا؟و قد قيل لرئيس الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟قال: العلماء، قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال، و جهل الأغنياء بحقّ العلم؛ فقلت: حالهما هي القاضية بينهما، و كيف يستوي شيء حاجة العامة إليه، و شيء يغنى فيه بعضهم عن بعض؛ و كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، و الفقراء باتخاذ الدجاج؛ و قال أبو
[١] التلاد: المال الأصلي القديم.