العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٤ - طفيلي و زنادقة حملوا للمأمون
فما أتممته حتى قامت الجارية فأكبّت على رجلي تقبلها، و قالت: معذرة إليك! فو اللّه ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك!و قام مولاها و أهل المجلس ففعلوا كفعلها، و طرب القوم و اللّه و استحثوا الشراب، فشربوا بالكاسات و الطاسات؛ ثم اندفعت أغني:
أبى اللّه أن تمشي و لا تذكرينني # و قد سفحت عيناي من ذكرك الدّما
فردّي مصاب القلب أنت قتلته # و لا تتركيه ذاحل العقل مغرما
إلى اللّه أشكو بخلها و سماحتي # لها عسل مني و تبذل علقما [١]
إلى اللّه أشكو انها مداريّة # و إني لها بالودّ ما عشت مكرما
فطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ثم اندفعت أغني الثالث:
هذا محبّك مطويّ على كمده # حرّى مدامعه تجري على جسده [٢]
له يد تسأل الرحمن راحته # مما جنى، و يد أخرى على كبده
فجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء و اللّه يا سيدي لا ما كنا فيه! و سكر القوم، و كان صاحب المنزل حسن الشرب صحيح العقل، فأمر غلمانه أن يخرجوهم و يحفظوهم إلى منازلهم، و خلوت معه؛ فلما شربنا اقداحا قال: يا هذا! ذهب ما مضى من أيامي ضياعا إذ كنت لا اعرفك؛ فمن انت يا مولاي؟ و لم يزل يلحّ حتى أخبرته الخبر، فقام و قبّل رأسي و قال: و أنا اعجب يا سيدي أن يكون هذا الادب إلا لمثلك، و أنّى لي أن اجالس الخلفاء و لا اشعر؟ ثم سألني عن قصتي فأخبرته، حتى بلغت خبر الكف و المعصم؛ فقال للجارية:
قومي فقولي لفلانة تنزل...
[١] السماحة: الجود.
[٢] الكمد: الحزن الشديد.