العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٧ - احتجاج البخلاء
جئته زائرا، فما زال يشكو # لي حتى حسبته سيدمّي
ألف اللّوم فيه من كلّ طرف # معرقا فيه بين خال و عمّ
قد نهاني النّصيح عنه مرارا # بأبي أنت من نصيح و أمّي
و من قولنا:
يراعة غرّني منها وميض سنا # حتى مددت إليه الكفّ مقتبسا [١]
فصادفت حجرا لو كنت تضربه # من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا [٢]
كأنما صيغ من بخل و من كذب # فكان ذاك له روحا و ذا نفسا
كلب يهرّ إذا ما جاء زائره # حتى إذا جاء مهدي تحفة نبسا [٣]
و من قولنا:
صحيفة طابعها اللّوم # عنوانها بالبخل مختوم
أهداكها و الخلف في طيّها # و المطل و التّسويف و اللوم
من وجهه نحس، و من قربه # رجس، و من عرفانه شوم
لا تهتضم إن كنت ضيفا له # فخبزه في الجوف هاضوم [٤]
تكلمه الألحاظ من رقّة # فهو بلحظ العين مكلوم
لا تأتدم شيئا على أكله # فإنه بالجوع مأدوم [٥]
احتجاج البخلاء
الأصمعي قال: قال أبو الأسود الدؤلي: لو أطعمنا المساكين أموالنا لكنا أسوأ حالا منهم!
[١] اليراع: ذباب يطير بالليل كأنه نار، الواحدة يراعة.
[٢] انبجس: انفجر.
[٣] نبس: تحركت شفتاه بشيء.
[٤] الهاضوم: كل دواء يهضم الطعام.
[٥] ائتدم فلان: أكل خبزه بالإدام.