العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥ - هو و عبد الملك و ابن جعفر
الرأي؛ فأكذبت له كلّ ما حكاه له ابن جعفر عني، و وصفت له نفسي بغاية الملاء و الجدة؛ فامتلأ عبد الملك سرورا بما ذكرت له، و غما بتكذيب ابن جعفر؛ فلما عاد إليه ابن جعفر، عاتبه عبد الملك على ما حكاه عني و أخبره بما حلّيت به نفسي؛ فقال: كذب و اللّه يا أمير المؤمنين، و إنّه أحوج أهل الحجاز إلى قليل فضلك، فضلا عن كثيره!ثم خرج عبد اللّه فلقيني، فقال: ما حملك أن كذّبتني عند أمير المؤمنين؟قلت: أ فكنت تراني تجلسني بين شمس و قمر، ثم أتفاقر عنده!لا و اللّه ما رأيت ذلك لنفسي و إن رأيته لي!فلما أعلم بذلك عبد اللّه بن جعفر عبد الملك بن مروان، قال: فالجاريتان له!قال: فلما صارتا إليّ زرت عبد اللّه بن جعفر، فوجدته قد امتلأ فرحا، و هو يشرب، و بين يديه عس [١] فيه عسل ممزوج بمسك و كافور، فقال: مهيم!قلت: قد و اللّه قبضت الجاريتين. قال: فاشرب. فتناولت العس فجرعت منه جرعة، فقال لي: زد؛ فأبيت عليه، فقال لجارية له عنده تغنيه: إن هذا قد حاز اليوم غزالتين من عند أمير المؤمنين؛ فخذي في نعتهما؛ فإنهما كما فلّكت [٢]
صدورهما. فحركت الجارية العود ثم غنت:
عهدي بها في الحيّ قد جردت # صفراء مثل المهرة الضامر
قد حجم الثّدي على نحرها # في مشرق ذي بهجة ناضر
لو أسندت ميتا إلى صدرها # قام و لم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميّت الناشر
قال: فلما سمعت الأبيات طربت، ثم تناولت العس فشربت عللا بعد نهل، و رفعت عقيرتي أغني:
سقوني و قالوا لا تغنّ و لو سقوا # جبال حنين ما سقوني لغنّت
[١] العس: القدح الكبير.
[٢] فلّكت: يقال: فلك ثدي الفتاة أي استدار فصار كالفلكة.