العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦ - الرشيد و عبثر
فقال لي: أ تأذن لى اليوم في ذكرك، فإنّي اليوم عنده؟فقلت: لا، و لكن غنّه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك من أين هذا؟فينفتح لك ما تريد، و يكون الجواب أسهل عليك من الابتداء. فمضى علوية؛ فلما استقر به المجلس غناه الشعر الذي أمرته به، و هو:
يا مشرع الماء قد سدّت مسالكه # أما إليك سبيل غير مسدود [١]
لحائم حار حتى لا حياة له # مشرّد عن طريق الماء مطرود
فلما سمعه المأمون قال: ويلك!لمن هذا؟قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته و اطرحته!قال: إسحاق!قلت: نعم. قال: ليحضر الساعة. قال إسحاق: فجاءني الرسول، فسرت إليه؛ فلما دخلت قال: ادن. فدنوت؛ فرفع يديه مادّهما؛ فاتكأت عليه؛ فاحتضنني بيديه؛ و أظهر من إكرامي و برّي ما لو اظهره صديق لي مواس لسرّني.
الرشيد و عبثر
قال: و حدثني يوسف بن عمر المدني قال: حدثني الحارث بن عبيد اللّه قال:
سمعت إسحاق الموصلي يقول: حضر مسامرة الرشيد ليلة عبثر المغني، و كان فصيحا متأدبا، و كان مع ذلك يغني الشّعر بصوت حسن، فتذاكروا رقة شعر المدنيين، فأنشد بعض جلسائه أبياتا لابن الدمينة حيث يقول:
و أذكر أيام الحمى ثم أنثني # على كبدي من خشية أن تصدّعا
و ليست عشيات الحمى برواجع # عليك و لكن خلّ عينيك تدمعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها # عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
فأعجب الرشيد برقة الابيات، فقال له عبثر: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الشعر مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق و صفا، فصار أصفى من الهواء، و لكن
[١] المشرع: مورد الماء الذي يستقي منه بلا رشاء.