العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٤ - لابن صبيح
قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت الديك قط في بلدة إلا و هو يدعو الدجاج و يثير الحب إليها و يلطف بها، إلا في مرو، فإني رأيته يأكل وحده، فعلمت أن لؤمهم في المآكل.
و رأيت في مرو طفلا صغيرا في يده بيضة، فقلت له: أعطني هذه البيضة. فقال:
ليس تسع يدك!فعلمت أن اللؤم و المنع فيهم بالطبع المركب و الجبلّة [١] المفطورة.
مروزي اشتكى سمالا
و اشتكى رجل مروزيّ ضررا من سعال؛ فدلّوه على سويق اللوز، فاستثقل النفقة و رأى الصبر على الوجع أخف عليه؛ فلم يزل يماطل الأيام و يدافع الأوقات حتى أتيح له بعض الموفقين، فدله على ماء النخالة، و قال له: إنه يجلو الصدر. فأمر بالنخالة فطبخت له و شرب ماءها، فجلا صدره.
و وجده بعضهم، فلما حضر غداؤه أمر به فرفع إلى العشاء و قال لأم عياله اطبخي لأهل بيتنا النخالة، فإني وجدت ماءها يعصم و يجلي الصدر فقالت له زوجته: قد جمع اللّه لك في هذا الدواء دواء و غذاء!
لابن صبيح
و قال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل ليلا من أهل خراسان فإذا هو قد أتي بمسرجة فيها فتيل رقيق، و قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح، و قد علق فيها عودا بخيط معقود إلى المسرجة، فإذا غشا المصباح أخرج به رأس الفتيل؛ فقلت: ما بال هذا العود مربوطا؟فقال: هذا عود قد شرب الدهن، فإذا لم نحفظه وضاع احتجنا إلى غيره فلا نجده إلا عطشان، فإذا كان هذا دأبنا ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفايتنا ليلة.
[١] الجبلّة: الخلقة.