العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠ - هو و معاوية
ثم نهض و هو يقول: خَلَطُوا عَمَلاً صََالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [١] .
فلما بلغ ابن جعفر ذلك أعدّ له طعاما و دعاه إلى منزله، و أحضر ابن صيّاد المغني، ثم تقدم إليه يقول: إذا رأيت معاوية واضعا يده في الطعام فحرّك أو تارك و غنّ. فلما وضع معاوية يده في الطعام حرّك ابن صياد أوتاره و غنى بشعر عدي بن زيد و كان معاوية يعجب به.
يا لبينى أوقدي النارا # إنّ من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرمقها # تقضم الهنديّ و الغارا
و لها ظبي يؤجّجها # عاقد في الخصر زنارا [٢] .
قال فأعجب معاوية غناؤه، حتى قبض يده عن الطعام، و جعل يضرب برجله الأرض طربا؛ فقال له عبد اللّه بن جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنما هو مختار الشعر يركّب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأسا؟قال: لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان.
قال: و قدم عبد اللّه بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، و أظهر من إكرامه و برّه ما كان يستحقه؛ فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوجة معاوية؛ فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد اللّه بن جعفر، فجاءت إلى معاوية فقالت: هلم فاسمع ما في منزل هذا الذي جعلته بين لحمك و دمك، و أنزلته في حرمك!فجاء معاوية فسمع شيئا حرّكه و أطربه، فقال: و اللّه إنّي لأسمع شيئا تكاد الجبال تخرّ له، و ما أظنّه إلا من تلقية الجن!ثم انصرف، فلما كان من آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد اللّه و هو قائم يصلي، فأنبه فاختة، و قال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي: ملوك بالنهار، رهبان بالليل! ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه حديج: اذهب فانظر من عند عبد اللّه، و أخبره بخروجي إليه. فذهب فأخبره، فأقام كلّ من كان عنده؛ ثم جاء معاوية، فلم
[١] سورة التوبة الآية ١٠٢
[٢] يؤججها: يلهبها.