العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٢ - ابن أوس و مان في غلام
و ردّ الكتاب و لم يقره # لئلاّ أردّ إليه الرسولا
و أحسب نفسي على ما ترى # ستلقى من الهجر همّا طويلا
و أحسب قلبي على ما أرى # سيذهب سنّي قليلا قليلا!
ثم ترك يدي و مضى:
و حكى أبو العباس المبرد قال: دخل عمرو بن مسعدة على المأمون و بين يديه جام [١] زجاج فيه سكر طبرزد و ملح جريش؛ قال: فسلمت، فرد و عرض عليّ الأكل؛ فقلت: ما أريد شيئا، هنّأك اللّه يا أمير المؤمنين، فلقد باكرت بالغداء فإني بتّ جائعا. ثم أطرق و رفع رأسه و هو يقول:
اعرض طعامك و ابذله لمن دخلا # و احلف على من أبى، و اشكر لمن أكلا
فلا تكن سابريّ العرض محتشما # من القليل، فلست الدهر محتفلا [٢]
و دعا برطل؛ و دخل رجل من أجلة الفقهاء، فمد يده إليه، فقال؛ و اللّه يا أمير المؤمنين ما شربتها ناشئا، فلا تسقنيها شيخا!فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة فأخذها منه، و قال: يا أمير المؤمنين، اللّه اللّه!إني عاهدت اللّه في الكعبة أن لا أشربها أبدا! ففكر طويلا؛ و الكأس في يد عمرو بن مسعدة، حتى لقد ظن أنه سيأمر فيها؛ ثم قال:
ردّا عليّ الكأس إنّكما # لا تعلمان الكأس ما تجدي
لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت # إلا بدمعكما من الوجد [٣]
خوفتماني اللّه ربّكما # و كخيفتيه رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي # خوف العقاب شربتها وحدي!
ابن أوس و مان في غلام
محمد بن يزيد الأسدي قال: حدّثني حبيب بن أوس قال: كنت في غرفة لي على
[١] الجام: إناء للشراب و الطعام من فضة أو نحوها.
[٢] السابري: الرقيق من الثياب.
[٣] الوجد: العشق الشديد.