العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦ - أبو حنيفة و جار له
فلما أعادت من بعيد بنظرة # إليّ التفاتا أسلمته المحاجر
فقال الشعبي: الصغير أكيسهما [١] . يريد الزير، ثم قال: يا هذه، أرخي من يمّك، و شدّي من زيرك [٢] . فقال له بشر: و ما علمك؟قال: أظن العمل فيهما. قال:
صدقت، و من لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه.
قرشي و رجل يغني في المسجد
و حدث عن أبي عبد اللّه البصري قال: غنّى رجل في المسجد الحرام و هو مستلق على قفاه صوتا، و رجل من قريش يصلي في جواره؛ فسمعه خدّام المسجد فقالوا: يا عدو اللّه، تغني في المسجد الحرام!و رفعوه إلى صاحب الشرطة، فتجوز القرشي في صلاته؛ ثم سلم و اتبعه، فقال لصاحب الشرطة: كذبوا عليه أصلحك اللّه، إنّما كان يقرأ!فقال يا فساق، أ تأتوني برجل قرأ القرآن تزعمون انه غنّى خلوا سبيله!فلما خلّوه قال له القرشي: و اللّه لو لا انك أحسنت و أجدت ما شهدت لك، اذهب راشدا.
أبو حنيفة و جار له
و كان لابي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، و كان أبو حنيفة يحيي الليل بالقيام، و يحييه جاره الكيال بالشراب، و يغني على شرابه:
أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر
فأخذه العسس [٣] ليلة فوقع في الحبس، و فقد أبو حنيفة صوته و استوحش له؛ فقال لاهله: ما فعل جارنا الكيال؟قالوا: أخذه العسس فهو في الحبس. فلما اصبح ابو حنيفة وضع الطويلة على رأسه، و خرج حتى أتى باب عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع في إذنه-و كان أبو حنيفة قليلا ما يأتي الملوك-فأقبل عليه عيسى
[١] أكيسهما: أعقلهما.
[٢] الزير: الدقيق من الاوتار.
[٣] العسس: مفرده العاس: و هو من يطوف بالليل يحرس الناس و يكشف اهل الريبة.