العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٤ - من سوء الاختيار
من سوء الاختيار
و نظير هذا من سوء الاختيار، ما تخيّره أهل الحذق بالغناء و الصانعون للألحان من الشعر القديم و الحديث؛ فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء، و أصفى من الهواء؛ و كلّ مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، و غنّوا بقول الشاعر:
فلا أنسى حياتي ما # عبدت اللّه لي ربا
و قلت لها أنيليني # فقالت تعرف الذّنبا! [١]
و لو تعلم ما بي لم # تر الذنب و لا العتبا
و أقلّ ما كان يجب في هذا الشعر، أن يضرب قائله خمسمائة، و صانعه أربعمائة، و المغنّي به ثلاثمائة، و المصغي إليه مائتين!و مثله:
كأنها الشمس إذا ما بدت # تلك التي قلبي لها يضرب
تلك سليماي إذا ما بدت # و من أنا في ودّها أرغب
كأنّ في النفس لها ساحرا # ذاك الذي علمه المذهب
يعني المذهب الحبي و مثله:
يا خليلي، أنتما عللاني # بين كرم مزهر و جنان
خبّراني أين حلت منايا # يا عباد اللّه لا تكتماني
إنما حلت بواد خصيب # ينبت الورس مع الزعفران [٢]
حلفا باللّه لو وجداني # غرقا في البحر ما أنقذاني
و مثله:
أبصرت سلمى من منى # يوما فراجعت الصّبا
يا درّة البحر متى # تشهد سوقا يشترى
و مثله:
يا معشر الناس هذا # أمر و ربّي شديد
لا تعنفي يا فلانه # فإنّني لا أريد
[١] أنيليلني: اعطيني.
[٢] الورس: نبت يستعمل لتلوين الملابس الحريرية، لاحتوائه على مادة حمراء.