العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٤ - رسالة سهل بن هارون في البخل
و قال: طينة خير من ظنّة، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، و عبتم من ختم على شيء! وعبتموني أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق؛ و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إذا طبخ أحدكم لحما فليزد من الماء، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا» .
وعبتموني بخصف [١] النعل، و بتصدير القميص، و حين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى و أقوى و أشبه بالنّسك، و أن الترقيع من الحزم، و التفرّق مع التضييع؛ و الاجتماع مع الحفظ. و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يخصف نعله، و يرقع ثوبه؛ و يلعق أصابعه، و يقول: «لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، و لو دعيت إلى كراع لأجبت» . و قال عليه الصلاة و السلام: «من لم يستحي من الحلال خفّت مئونته، و قل كبره» ؛ و قالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق. و بعث زياد رجلا يرتاد له محدّثا، و اشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا، فقال له: أ كنت به ذا معرفة؟قال: لا، و لكنني رأيته في يوم قائظ يلبس خلقا و يلبس الناس جديدا؛ فتفرّست فيه العقل و الأدب، و قد علمت أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه؛ و قد جعل اللّه لكل شيء قدرا و سما به موضعا؛ كما جعل لك زمان رجالا، و لكل مقام مقالا؛ و قد أحيا اللّه بالسم، و أمات بالدواء، و أغصّ بالماء؛ و قد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين؛ و قد جبر الأحنف بن قيس يد عنز، و أمر مالك بن أنس بفرسك النعل؛ و قال عمر بن الخطاب: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة؛ و لبس سالم بن عبد اللّه بجلد أضحية [٢] ؛ و قال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدي إليك دجاجة. فقال: إن كان لا بد فاجعلها بيوضا.
وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي؛ فلقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية و أشفّ
[١] خصف النعل: خرزها بالمخصف. و المخصف: المخرز.
[٢] أضحية: شاة و نحوها يضحى بها في عيد الأضحى.