العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٢ - خالد صامة
المدينة، فجعلت أسير في صمد [١] من الأرض، فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله فقلت: و اللّه لأتوصّلنّ إليه. فإذا هو عبد أسود، فقلت له: أعد ما سمعت. فقال:
و اللّه لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت، و لكن أجعله قراك؛ فإني و اللّه ربما غنيت بهذا الصوت و أنا جائع فأشبع، و ربما غنيته و أنا كسلان فأنشط و ربما غنيته و أنا عطشان فأروى!ثم ابتدأ فغنى:
و كنت متى ما زرت سعدى بأرضها # أرى الأرض تطوي لي و يدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها [٢]
قال عمر: فحفظته منه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فإذا هو كما ذكره.
خالد صامة
و تحدث الزبيريون عن خالد صامة بأنه كان من أحسن الناس ضربا بعود. قال:
قدمت على الوليد بن يزيد في مجلس ناهيك به مجلسا، فألفيته على سريره، و بين يديه معبد، و مالك بن أبي السمح، و ابن عائشة، و أبو كامل غزيّل الدمشقي و كانوا يغنّون، حتى بلغت النوبة إليّ، فغنيته:
سرى همّي و همّ المرء يسري # و غاب النّجم إلا قيد فتر [٣]
لهمّ ما أزال له قرينا # كأنّ القلب أودع حرّ جمر
على بكر أخي، فارقت بكرا # و أيّ العيش يصلح بعد بكر
فقال: أعد يا صام. ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشعر؟قلت: يقوله عروة ابن أذينة يرثي أخاه بكرا. قال الوليد:
و أي عيش يصلح بعد بكر! و اللّه لقد حجّر واسعا، هذا و اللّه العيش الذي نحن فيه، يصلح على رغم أنفه.
[١] الصمد: المكان المرتفع الغليظ.
[٢] الخفرات: جمع خفرة: و هي التي اشتد حياؤها.
[٣] الفتر: ما بين طرف الابهام و طرف السبابة إذا فتحتهما.