العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٦ - يزيد و مسلمة في حبابة
فأجابته:
خيرا رأيت و كل ما أبصرته # ستناله منّي برغم الحاسد
و تبيت بين خلاخلي و دمالجي # و تجول بين مراسلي و مجاسدي [١]
فنكون أنعم عاشقين تعاطيا # ملح الحديث بلا مخافة راصد
فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة، رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها، و قال لهما: ما هذه؟فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلام و لا كتاب و لا رسول غير اللحظ، إلا ان العشق قد خامرهما. فأعتقها و زوّجها منه، فلما أشهد له و تم النكاح، أقامها الواثق إلى بيت من بعض البيوت، فوقع بها ثم خرج فقال له: أردت أن تكشّخني [٢] فيها و هي خادمتي، فقد كشختك فيها و هي زوجتك!.
يزيد و مسلمة في حبابة
قال: و لما كلف يزيد بحبابة و اشتغل بها و أضاع الرعية، دخل عليه مسلمة أخوه فقال: يا أمير المؤمنين، تركت الظهور للعامّة، و الشهود للجمعة، و احتجبت مع هذه الأمّة!فارعوي قليلا و ظهر للناس؛ فأوصت حبابة إلى الاحوص أن يقول أبياتا يهوّن فيها على يزيد ما قال مسلمة؛ فقال و غنّت بها حبابة:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا # فقد منع المحزون أن يتجلدا
إذا أنت لم تعشق و لم تدر ما الهوى # فكن حجر-من يابس الصخر جلمدا
هل العيش إلا ما تلذ و تشتهي # و إن لام فيه ذو الشّنان و فنّدا
فلما سمعها ضرب بجربّانه [٣] الارض و قال: صدقت صدقت؛ على مسلمة لعنة اللّه!ثم عاد إلى سيرته الاولى.
[١] الدّملج: سوار يحيط بالعضد.
[٢] الكشخان: الديوث.
[٣] الجربّان: جيب القميص، او غمد السيف، أو حده.