العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٥ - رسالة سهل بن هارون في البخل
من الكفاية؛ فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، و إلى التوفير عليها من وظيفة الماء [١] ، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء؛ فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد في أوائله لخرج آخره على كفاية أوّله، و لكان نصيب[العضو]الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذاك و شنعتم عليّ؛ و قد قال الحسن و ذكر السّرف: أما إنه ليكون في الماء و الكلأ؛ فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلإ.
وعبتموني أن قلت: لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره، و تقوّس ظهره، ورقة عظمه، و وهن قوته، و أن يرى نحوه أكثر ذريته؛ فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده، و تحويله إلى ملك غيره، و إلى تحكيم السرف فيه، و تسليط الشهوات عليه؛ فلعله أن يكون معمرا؛ و هو لا يدري، و ممدودا له في السنّ و هو لا يشعر؛ و لعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال و لا يدركه عقل، فيستردّه ممن لا يردّه، و يظهر الشكوى إلى من لا يرحمه؛ أصعب ما كان عليه الطلب، و أقبح ما كان به أن يطلب؛ فعبتموني بذلك و قد قال عمرو بن العاص:
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
وعبتموني بأن قلت بأن السرف و التبذير إلى مال المواريث و أموال الملوك [أسرع]و أن الحفظ للمال المكتسب، و الغنى المجتلب، و إلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، و اهتضام العرض، و نصب البدن، و اهتمام القلب-أسرع؛ و من لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، و من لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل، و من لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر، و طاب نفسا بالذل.
وعبتموني بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال، و أن الخبيث ينزع إلى الخبيث، و أن الطيب يدعو إلى الطيب، و أن الإنفاق في الهوى حجاز دون الحقوق؛ فعبتم عليّ هذا القول؛ و قد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا و إلى جنبه تضييع. و قد قال الحسن: إن أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا
[١] الوظيفة: ما يقدر لك في اليوم من طعام أو رزق أو نحوه.